العلاقة

بين

إمبراطورية كانم برنو )نيجيريا( والخلافة العثمانية

موسى عمر موسى 

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على خير خلق الله سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين، وبعد

المقدمة

لا شك بأن الأمم والشعوب تتباهى بكثرة ما تملكه من رصيد ثقافي ومعرفي وحضاري وما تتميز به من إرث فكري يدل على أصالتها وعمق جذورها في التاريخ الحضاري للمجموعة البشرية، ولذلك نراها تجتهد في إحصاء ما لديها من صنوف التراث وتستقري ذلك بدقة متناهية داخل الوطن وخارجه، فهي تعد فهارس المخطوطات وتترجم لمن صنعوا رصيدها العلمي عبر العصور، وتضع أسماؤهم على معالمها الحديثة، بل ترفعها إلى الكواكب الأخرى، كما فعلت بتسمية المواقع على سطح القمر، إظهارا لاعتزازها بصانعي التراث الإنساني عبر العصور. وسبيل التتبع لأمجاد الأمة في هذا المجال هو التاريخ الثقافي والتوثيق العلمي الذي يسجل الأحداث والآثار على اختلاف طبيعتها، فيعرف بها ويفسر ظواهرها، ويستشف أبعادها الإيجابية، وظلالها السلبية، لكي يضع المجتمع الجديد أمام إرثه الإنساني، وسيرته العلمية وتجاربه الذاتية، مستفيدا من تلك التجارب والآثار في تطوير حياته وتقويم عيوبه وإكمال نقصه وتنمية قدراته

وهكذا فالتاريخ الثقافي رحلة في بواطن التاريخ الاجتماعي والفكري والديني لمجتمع ما عبر أجياله المتلاحقة، بقصد إمداد المجتمع الحاضر بدفع معنوي ومادي زاخر يسهم في تحويله إلى الأفضل. وبما أن الحق تبارك وتعالى رسم منهج التعارف والتعاون والتواصل أساسا للتعايش بين الأمم والشعوب والقبائل، فإن بغيابه تنحرف البشرية في الهاوية، من هنا فإن الإسلام يدعو إلى التعارف والتسامح والعفو والصفح والتواصل، ولعله من نافلة القول أن أمبراطورية كانم برنو والخلافة العثمانية حظيتا بتواصل حضاري فريد من نوعه، وتوافق في العلاقات الإنسانية الإسلامية، من هنا فإن الورقة تناقش بعد المقدمة ثلاثة مباحث، الأول حول دخول الإسلام في إمبراطورية كانم برنو، والثاني اهتمام الخلافة العثمانية بنشر الدين الإسلامي، والمبحث الثالث يناقش التواصل الحضاري بين الإمبراطوريتين، ثم الخاتمة 

أولا: دخول الإسلام في أمبرطورية كانم برنو

يبدو أن أغلب الدراسات التي تناولت دخول الإسلام في أمبراطورية كانم برنو، تشير إلى أنه من الصعب تحديد الفترة الزمنية، التي حل بها الإسلام لبرنو، لدرجة قال فيها أحد الباحثين "لم يتفق المؤرخون على تاريخ محدد لدخول الإسلام إلى هذه الإمبراطورية، كما أنهم لم يتفقوا أيضا على شخصية من أدخله ونشر تعاليمه بين الناس في كانم برنو" وبما أن نيجيريا تعد من أقدم الدول التي حظيت بنور الإسلام منذ وقت مبكر، بفضل الممالك الإسلامية التي قامت في أرضها، مع إنها لم تكن بهذه التسمية، وأمبراطورية كانم برنو التي تعد جزءاً من أرض نيجيريا أعرق أمبراطورية عرفتها المنطقة، والتي امتدت حتى مشارف حدود ليبيا، وقد كان الصحابي الجليل عقبة بن نافع ممن جاب هذه المنطقة وعمل على نشر رسالة الإسلام فيها، أما بلاد هوسا فقد دخل إليها عن طريق الممالك التي تعاقبت على المنطقة الواقعة ضمن حدود ما يسمى بالسودان الغربي قبل مجيء الاستعمار، أو عن طريق القبائل العربية التي جابت منطقة كانم برنو، لأسباب مختلفة، بعضها لطلب الكلأ والماء، وبعضها للدعوة وبعضها للتجارة، وأول ملك أسلم من مملكة كانم هو الملك "أومي" أو "حومي" الذي ملك في أواخر القرن الحادي عشر، يقول الشيخ إبراهيم الصالح الحسيني الذي أرّخ لهذه المنطقة في سفر أسماه " تاريخ الإسلام وحياة العرب في إمبراطورية كانم برنو" ويدل مخطوط قديم حصلت عليه على أن الملك انتقل إلى الفرع الإسلامي حوالي 1087 وحتى 1097 للميلاد، وهو عام 480 للهجرة". أما دخول الإسلام المنطقة فلا شك أنه سابق لهذا التاريخ، والذي ثبت على وجه التحقيق هو أن من لقّن هذا الملك الشهادتين هو" محمد بن ماني" العربي

وهناك دعاة متفرقون لا يملكون حولا ولا طولا، إلا إيمانهم العميق بربهم".هذا وقد حمل الإسلام إليها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، من حملة الدعوة والمبشرين بالسنة المحمدية وبصفة أخص: أتباع إمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه، وخصوصا أولئك النفر الذين اشتهروا بالزهد والتنسك من السائرين على طريق الجنيد بن محمد القواريري البغدادي الذين عرفهم العامة باسم (السادة الصوفية) من هنا فإن هناك ثلاثة روايات تؤكد دخول الإسلام إلى بلاد السودان في فترة مبكرة جدا من تاريخ الإسلام ذاته وهي

رواية "ابن رسته" التي تؤكد بأن سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه هو أول من نشر الإسلام وأدخله إلى بلاد السودان، وكان ذلك في سنة (23هـ)

أما الرواية الثانية فهي رواية "أبو القاسم" فإنه يرى بأن فتح إفريقيا وبلاد السودان تم على يد سيدنا "عقبة بن نافع الفهري" رضي الله عنه وذلك سنة 43هـ

والرواية الثالثة والأخيرة للبكري، وهي قريبة من السابقة فقداعتماد سنة 46هـ

لذلك نجد أن البحاثة إبراهيم محمد قد وفّق بين جميع الروايات الثلاث، مبينا أن  الفارق الزمني بينها ليس بالكبير، فالرواية الأولى تمثل التاريخ المبكر لدخول الإسلام على يد "عمرو بن العاص" رضي الله عنه، والثانية والثالثة تشير إلى التوسع الكبير في انتشار الإسلام والدعوة إليه بقيادة "عقبة بن نافع الفهري" رضي الله عنه، وهو الأكثر اتساما بتاريخ دخول الإسلام المنطقة في وقت مبكر جدا، والذي يزيل الاشكال لدى المنصفين

وكانت انطلاقة حمل رسالة الإسلام إلى إفريقيا منبع حضاري ومرجع تجاري اجتماعي فأتاح للمناطق المختلفة صلات التزاوج والجوار والثقافة وتبادل السلع والمنافع وحمل اللغة العربية على الانتشار في أوسع نطاق، حيث أصبحت اللغة العربية وسيلة تحفظ التراث الإفريقي وكما حمل الدعاة إفريقيا الإسلام حملوا عادات وتقاليد حسنة في السلوك والمعاملة، واختلطوا مع السكان المحليين في مدنهم وقراهم، واستقروا بينهم وتزاوجوا معهم وبثوا فيهم الحضارة الإسلامية

ثانيا: اهتمام الخلافة العثمانية بنشر الدين الإسلامي

خلال فترة الإمبراطورية العثمانية أصبح الإسلام مرتكزا أساسيا للدولة في مجال الحياة الدينية والاجتماعية والثقافية والمادية وغير ذلك،  وتعبيرا عن احترام الأتراك للإسلام فقد اهتموا بالعربية اهتماما هائلا، ونتيجة لذلك تميزت عملية تدريس اللغة العربية في عهدي السلاجقة والدولة العثمانية مما جعل لها طابع المناهج الاتباعية التي تدرس فيها قواعد الصرف والنحو، بهدف فهم الآيات القرآنية فضلا عن ذلك، فإن إرسال الولاة ورجال الدين إلى البلاد العربية زمن الدولة العثمانية ساعد في تعليم اللغة العربية،

فقد أبدى العثمانيون احتراما كبيرا لشعائر دينهم الحنيف، وقيمه الحضارية الإنسانية، فقد عملوا جاهدين على تبليغ هذا الدين وتحبيبه إلى الناس بطرق شتى، فشيدوا على المثال المساجد العظيمة التي تهوي الأفئدة إليها وتنبعث فيها الراحة والطمانينة ، ثم أنهم اعتنوا اعتناء شديدا بالقائمين على هذه المساجد من مؤذنين ومقرئين يتمتعون بأصوات جميلة ندية تخشع لها القلوب، و يتقنون في الوقت نفسه المقامات والإيقاعات الصوتية كلها،

ومما يؤكد اهتمام الدولة العثمانية بالدين الإسلامي فإنه منذ تأسيس الخلافة العثمانية وجميع الكتب المقررة داخل المدارس العثمانية هي كتب عربية، ولذا فإن جميع الأنشطة والمنتجات العلمية والفكرية كانت تتم بهذه اللغة. ومن أعمالها الجبارة التي لا غبار فيها وكانت عملية عظيمة انشرح لها قلوب المسلمين، ما قام به  السلطان محمد الفاتح الذي فتح القسطنطينية، واستحق لقب الفاتح، واهتم بضريح الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري، الذي استشهد عند أسوار القسطنطينية في أولى محاولات المسلمين لفتحها في القرن الأول الهجري ثم دفن بها، وعندما جاء السلطان محمد الفاتح التمس ذلك من الشيخ شمس الدين وهو أحد الصالحين الذين رافقوا السلطان في حملته الموفقة، وكان قد بشره بقتح المدينة، ولما أرشده من موضع القبر، قال له السلطان : التمس منك يا مولانا أن تريني علامة أراها بعيني ويطمئن بذلك قلبي، فقال الشيخ أحفر في مقدار ذراعين يظهر لكم العلامة التي تريدونها، فلما حفروا ظهر رخام عليه خط عبراني، فقراه من يعرفه وفسره فإذا هو قبر أبي أيوب الأنصاري، فأمر السلطان محمد الفاتح بأن تبني قبة فوق القبر، وألحق بها جامعا وحجرات،

وبما أن الدين الإسلامي هو دين الدولة العثمانية فقد ازدات أهمية اللغة العربية يوما بعد يوم، في النواحي التجارية والسياحية والعلاقات الدولية، وهو ما يجرنا إلى العلاقات والتواصل الحضاري بين الأمبراطوريتين

وقد ذكر الدكتور عَلي محمد الصَّلاَّبي، في تمهيده لكتابه ( الدولة العُثمانية - عَوَامل النهُوض وأسباب السُّقوط،) أنه لم يتورع المؤرخون الأوروبيون واليهود والنصارى والعلمانيون الحاقدون بالهجوم على تاريخ الدولة العثمانية، فأستخدموا أساليب، الطعن والتشويه والتشكييك فيما قام به العثمانيون من خدمة للعقيدة والاسلام، وسار على هذا النهج الباطل أغلب المؤرخين العرب بشتى انتماءاتهم واتجاهاتهم، القومية، والعلمانية، وكذلك المؤرخون الأتراك الذين تأثروا بالتوجه العلماني الذي تزعمه مصطفى كمال، فكان من الطبيعي أن يقوموا بإدانة فترة الخلافة العثمانية، فوجدوا فيما كتبه النصارى واليهود ثروة ضخمة لدعم تحولهم القومي العلماني في تركيا بعد الحرب العالمية الأولى، كان الموقف من التاريخ العثماني بالنسبة للمؤرخ الأوربي بسبب تأثره بالفتوحات العظيمة التي حققها العثمانيون، وخصوصاً بعد أن سقطت عاصمة الدولة البيزنطية (القسطنطينية) وحولها العثمانيون دار إسلام واطلقوا عليها اسلام بول (أي دار الاسلام)، فتأثرت نفوس الأوربيين بنزعة الحقد والمرارة المورثة ضد الاسلام، فأنعكست تلك الأحقاد في كلامهم وافعالهم، وكتابتهم وحاول العثمانيون مواصلة السير لضم روما الى الدولة الاسلامية ومواصلة الجهاد حتى يخترقوا وسط اوروبا ويصلوا الى الاندلس لإنقاذ المسلمين فيها، وعاشت أوروبا في خوف وفزع وهلع ولم تهدأ قلوبهم إلا بوفاة السلطان محمد الفاتح

وكان زعماء الدين المسيحي من قساوسة ورهبان وملوك يغذون الشارع الأوروبي بالأحقاد والضغائن ضد الاسلام والمسلمين، وعمل رجال الدين المسيحي على حشد الأموال والمتطوعين لمهاجمة المسلمين (الكفرة على حد زعمهم) البرابرة، وكلما انتصر العثمانيون على هذه الحشود ازدادت موجة الكره والحقد على الاسلام وأهله، فأتهم زعماء المسيحيين العثمانيين بالقرصنة، والوحشية والهمجية، وعلقت تلك التهم في ذاكرة الأوروبيين

غير أن الدولة العثمانية بكل هذه الهجمات والتحديات التي واجهتها استمرت في نشر الإسلام وقد وفقها البارئ عزوجل في تحقيق الكثير من أهدافها،

ثانيا: التوافق والتواصل الحضاري بين الإمبراطوريتين في حماية الدين

تشترك الأمبراطوريتين في الاهتمام بالدين الإسلامي واللغة العربية، والتعليم والقيم النبيلة والأخلاق الفاضلة، والشعائر الدينية الحنيفة، وتتواصل من خلال التجارة والتبادل المعرفي والثقافي، وبما أن أمبراطورية كانم برنو تعرفت على الإسلام في القرن الأول الهجري، فإن الإسلام قد هيأ إلى المناطق الإفريقية التي دخلها أن تتصل بالحضارة الإسلامية في وقت مبكر، فقد أحدث هذا الدين الجديد نشاطا ثقافيا وحراكا اجتماعيا، ونشاطا اقتصاديا عظيما، فأتاح للمناطق المختلفة صلات التزواج والجوار وتبادل السلع والمنافع، فيما بينها

وكان للدولة العثمانية وجود وحضور في منطقة الشمال الإفريقي والمغرب العربي منذ سنة (1551م) وأما مصر فإن الوجود العثماني فيها كان أقدم من ذلك التاريخ، إذ يرجع إلى سنة (1516م)، واحتل الجيش العثماني أجزاء من فزان التي كانت خاضعة لحكم وسلطنة إمبراطورية كانم برنو، وهو ما أثار حفيظة أمبراطورية كانم برنو، من النوايا العثمانية، غير أن التواصل الحضاري والاجتماعي والثقافي والتجاري ما بين الشعوب الإفريقية وما جاورها من الدول كسر كل الحواجز والتوجهات السياسية في المنطقة، مما جعل الباب مفتوحا أمام الأمبراطوريتين للتعاون

ونتج عن ذلك تطور في التواصل الحضاري، وازدهرت حركة التبادل التجاري بين الإمبراطوريتين، وتوسعت إلى درجة التعاون والتفاهم، والناظر إلى الوثائق المتبادلة فيما بينهما يدرك مدى توسعها في حماية التجارة وتواصل الشعوب المتاخمة للصحراء والدول الإفريقية السمراء بالدولة العثمانية، فقد ذكر الباحث صلاح الدين حسن السوري، أن حركة التبادل التجاري بين الأمبراطوريتين توسع إلى التعاون فيما بينهم، وانتقل إلى الجوانب الثقافية والاجتماعية، وأحدثة هذه العلاقة حركة عمرانية تمثلت في مد الجسور عبر الصحراء، وإزدهار المدن والمراكز التجارية في أعماقها وتحقيق الأمن والطمانينة فيها، والأهم من ذلك كله العلاقات الإنسانية التي ظهرت في حسن التعامل وتبادل الثقة وحل المشاكل بالأساليب السلمية. الأمر الذي طمأن الحكام في أمبراطورية كانم برنو

ومن المعروف أن هذا التوسع يثمر في التعارف، ويسهم في إرثاء الحضارة الإسلامية في المنطقة، بل ويفتح باب التبادل والتواصل الاجتماعي، من خلال طمأنة حكام إمبراطورية كانم برنو الإسلامية بعدم غزوها أو الاستعلاء إلى أراضيها، وهو ما سعت إليه الدولة العثمانية لمعرفة أصالة الدين الإسلامي بالأمبراطورية، وفي رسائل متبادلة أكدت الجكومة العثمانية بأن ليس لها أطماع سياسية في برنو، إنما مقاصدها تقتصر على بناء جسور المحبة والصداقة بين البلدين المسلمين، كان هناك حرص على تنمية هذه العلاقات وتطويرها وتقويتها، فكانت السفارات والرسائل المتبادلة والمستمرة بين البلدين من رسائل السياسة، وبطبيعة الحال كانت تتضمن الاهتمام بالتجارة وتأمين الطرق وتيسير الأمور بما يعود نفعه على الطرفين، وكانت عبارات التعظيم والتفخيم وإظهار الاحترام تنمق بعناية، وتستخدم فيها المحسنات البديعية التي تميزها عن الرسائل الشخصية العادية والادارية الرسمية،

لقد توسع التبادل التجاري والتبادل الثقافي والتواصل الحضاري بين أمبراطورية كانم برنو والدول المجاورة لها، خاصة مع دولة مصر العربية " فالإسلام جاء إلى كانم برنو عبر بوابة مصر وجاء بالعلم والحضارة والثقافة وبشر ببزوغ فجر جديد في العلاقات الإنسانية خاصة بين شعب كانم برنو وشعب مصر وعمل على فتح قنوات الاتصال أمام شعب كانم برنو على الحضارة الإسلامية المصرية التي استفاد منها كثيرا في تطوير حياته العلمية والثقافية" وهكذا جميع دول الشمال الإفريقي ومع دول الخلافة العثمانية، التي أظهرت نواياها في التعاون والتبادل بينهما

ففي إحدى الوثائق المؤرخة 27 شعبان سنة 1286، صدر قرار مجلس إدارة الولاية يؤكد أهمية التجارة بين الولاية وبرنو، ويقرر رصد مبلغ لإرسال هدية مناسبة صدرت فيها إرادة سلطانية لحاكمها عمر الكانمي، وإن يقوم بحمل الرسالة والهدية شخص ذو اعتبار يحمل لقبا شرفيا، وتم ذلك بالفعل، والرسالة تحمل تاريخ 2 رمضان سنة 1286، وكانت مفعمة بعبارات التبجيل والتعظيم والاشادة بفضل عمر الكانمي ومكانته، وكانت تتضمن أيضا الاهتمام بالتجارة وتنميتها وتأمين طرقها وضمان أمنها، ويضيف الدكتور صلاح الدين السوري، أن سعيا من الطرفين في الحفاظ على هذه العلاقات الطيبة في السنوات اللاحقة، ففي رسالة من والي طرابلس أحمد باشا مؤرخة في 8 محرم سنة 1300 إلى حاكم برنو الشيخ أبي بكر بن عمر الكانمي يفيده بوصول كتابه وهديته إلى السلطان عبد المجيد الثاني، ويعبر فيها عن شكر السلطان وامتنانه وإشادته بالروابط الطيبة وحسن الجوار والتضامن بين المسلمين، وأهم ما في الرسالة التأكيد على ضرورة الاهتمام بالتجارة وحمايتها وتسهيل أمرها

الخاتمة

لقد تناول الباحث في هذه السطور التواصل والعلاقة الوطيدة بين الأمبراطوريتين، ومدى تأصيلهما وتعاونهما في تسهيل الحركة التجارية وتبادل البضائع وانتقال السكان من منطقة إلى أخرى، فقد فتح هذا التواصل أبعاد اجتماعية فريدة من نوعها، حيث سمح بالتزاوج والاندماج في سكان الإمبراطوريتين، حيث أننا نجد في واقع المجتمع البرناوي إلى هذه اللحظة تأثر واضح لتلك العلاقة، فقد تجد حي بأكمله اسمها (فزان) في وسط مدينة ميدغري، بولاية برنو بنيجيريا، وهو أيضا اسم لمنطقة كبيرة في الجنوب الليبي، مما يوحي بانتقال مجموعة من الأسر العربية الليبية إلى الاستيطان في هذا الحي في برنو، ولقب الحي باسم هذه العائلات، والتي لها بقايا إلى الآن في برنو، واندمج الكثير منهم في البيئة، فأصبحوا من أبناء نيجيريا، يحملون اسمهما وهويتها وساهموا في عملية البناء والتطوير في المجتمع

إن هذا التواصل الحضاري بين الأمبراطورية العثمانية وإمبراطورية كانم برنو، يؤكد مدى إرساء دعائم المحبة والصداقة، بل أثمر هذا التواصل في علاقات سياسية متينة وساهم في حل المشاكل بالوسائل السلمية، كما جلب فوائد ومصالح اقتصادية وكنوز معرفية بين الدوليتين، من هنا فإنها تجربة فريدة من نوعها ومليئة بإنجازاتها. فكان الحديث عن ثلاثة نقاط أساسية: الأولى حول الإسلام في إمبراطورية كانم برنو، والثانية حول مكانة الإسلام عند الأتراك، والثالثة حول التواصل الحضاري بين الأمبرطورية والخلافة العثمانية، والله الموفق

المراجع والمصادر

إبك، محمد سليم، لماذ يتعلم الأتراك اللغة العربية؟ أعمال المؤتمر الدولي للغة العربية، بدبي، الامارات العربية المتحدة، 2015م، المجلد الخامس، ص 560

افتتاحية مجلة كلية الدعوة الإسلامية، مجلة إسلامية ثقافية جامعة محكمة، تصدر سنويا، العدد الثاني عشر 1995م، طرابلس ليبيا، ص 7 وما بعدها

باشا الدكتور حسن، موسوعة العمارة والآثار والفنون الإسلامية ، شركة أوراق شرقية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان 1999م، ص 67

حسن، إبراهيم محمد، مساهمة مدارس العلم  في نشر الثقافة الإسلامية في برنو، في الفترة ما بين 1382-1432هجرية الموافق 1960-2010 ميلادية، رسالة تكميلية قدّمت لنيل درجة (الدكتوراه) في الدراسات الإسلامية، جامعة بايرو كنو، نيجيريا 2013م ص 22

الحسناوي،حبيب وداعة، الحج وأثره في دعو الصلات العربية الإفريقية ودور فزان في تسهيل قوافل حجاج السودان الأوسط حتى القرن الثامن الهجري، منشورات كلية الدعوة الإسلامية،طرابلس ليبيا 1999م، ص84

الحسناوي، حبيب وداعه، الحج وأثره في دعم الصلات العربية الإفريقية ودور فزان في تسهيل قوافل حجاج السودان الأوسط حتى القرن الثامن الهجري، أعمال ندوة التواصل الثقافي الاجتماعي، منشورات كلية الدعوة الإسلامية ليبيا 1998م، ص 84

 الحسيني، الشيخ إبراهيم صالح النوى، التكفير أخطر بدعة تهدد السلام والوحدة بين المسلمين في نيجيريا، مطبعة النهار ، القاهرة ط 4 1987م، ص3 وما بعدها

الحسيني، الشيخ الشريف إبراهيم صالح، تاريخ الإسلام وحياة العرب في امبراطورية كانم برنو، شركة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي وأولاده، القاهرة 1976م . ص74

الحسيني، تاريخ الإسلام وحياة العرب في امبراطورية كانم برنو، مصدر سابق، ،صـ102

الدكتور عَلي محمد محمد الصَّلاَّبي، الدولة العُثمانية - عَوَامل النهُوض وأسباب السُّقوط، الناشر: دار التوزيع والنشر الإسلامية، مصر، الطبعة: الأولى، 1421 هـ - 2001م، ص 15. وما بعدها

الزيادي محمد فتح الله، ظاهرة انتشار الإسلام وموقف بعض المستشرقين منها، المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، طرابلس، د.س.ن.ص 222

 السوري / مصدر سابق ، ص 206

السوري، صلاح الدين حسن، العلاقات بين ليبيا وشعوب الصحراء في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين من خلال بعض الوثائق العثمانية، أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء، تنظيم كلية الدعوة الإسلامية بطرابلس وكلية الآداب، بتطوان – المغرب، منشورات كلية الدعوة الإسلامية ، طرابلس ليبيا 1999 م، ص 206

السوري، مصدر سابق، ص 207

شنل، جاهد، مرة أخرى، قضيتنا اللغوية مساءلة فلسفية للنقاشات التي دارت حول استخدام المصطلحات العربية التركية في تركيا، آواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن القرن العشرين، المؤتمر الدولي للغة العربية دبي، الامارات العربية المتحدة، المجلد الثاني عشر، ص 529 وما بعدها

صواش، نور الدين ، من أوصاف الإمام العثماني، حراء مجلة علمية فكرية ثقافية، تصدر كل شهرين من اسطنبول، تركيا العدد 29 السنة السابعة – مارس-أبريل 2012 م ص 62

طاهر خان أيدين، المشكلات التي تواجه تعليم اللغة العربية في تركيا، كتاب المؤتمر الدولي للغة العربية مرجع سابق ، المجلد السادس، ص 498

محمد إبراهيم ، مصدر سابق ، ص 111

محمد إبراهيم الإسلام والحركة العلمية في أمبراطوريةكانم برنو، دار الأمة لوكالة المطبوعات – كانو نيجيريا 2009 م، ص 43

محمد إبراهيم، الإسلام والحركة العلمية في أمبراطوريةكانم برنو، دار الأمة لوكالة المطبوعات – كانو نيجيريا 2009 م،  ص 71

محمد، إبراهيم، الإسلام والحركة العلمية في أمبراطوريةكانم برنو، دار الأمة لوكالة المطبوعات – كانو نيجيريا 2009 م، ، ص 53