السير والسلوك

عالم التصوف هو ذلك المحضن التربوي الذي يدخله العبد، فيجد فيه مَن يزكي نفسه من أدرانها، ويطهر قلبه من أدوائه، ويقود روحه إلى سمو الرحمة في ظل هدي نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم على يد ورثة الأنبياء

فللتصوف أساليبه التربوية الخاصة المتعددة بتعدد طبائع البشر، فقد خلق الله تعالى البشر مختلفين في طبائعهم وقلوبهم وأرواحهم واستعداداتهم وقدراتهم للسير في طريق الله تعالى، والعروج إلى كمالات الدرجات الصوفية

بل إن من البشر من يقصر باعه وتضمر قدرته، وتستعصي على المربين أساليب تقويمه وتغييره، فيقف عند درجة لا يعدوها، وعند مرتبة لا يتخطاها

والأساليب التربوية في الشريعة والتصوف قد وضعت للعامة والخاصة، فأما  وضعها الشريعة فهي ما يَسعُ الجميعَ -على اختلاف قدراتهم وإمكاناتهم- أن يتربوا على أصولها، ويمتثلوا لنظمها التربوية، وأما من كان لديه بسطة في القدرة وسعة في الاستعداد، وقَدرًا من التميز ليصل إلى مرتبة أعلى، ودرجة أرقى، فإن التصوف يقدم له من تعدد الأساليب ما يوافق تعدد الطبائع البشرية والإمكانات المتفردة المستعدة للسلوك في الطريق للوصول بالجميع إلى حالة النضج المبتغاة عبر التربية بالتوجيه والأوامر الإلهية؛ وهذا التميز بين كل أسلوب وآخر كأنه مثل النظارات الطبية التي يضعها الإنسان وفق معايير طبية دقيقة تتفاوت مع تفاوت مقياس درجة البصر، ثم تتفاوت وفق درجة البصيرة

إنه الفرق بين الشريعة والتصوف، لا خلاف ولا اختلاف بينهما، لكن علاقتهما معًا مثل الفرجار بذراعيه الثابتة والمتحركة، فالذراع الثابتة للفرجار هي الشريعة، لا يند عنها الفرجار قيد أنملة، فعليها ثباته، وحولها مداره، وأما الذراع الثانية للفرجار فهي التصوف، الذي يدور وراء التوجيهات الإلهية والأساليب التربوية الراقية، وأما المسافة بين الذراعين في الفرجار، فهي التي تتقارب وتتباعد وفق قدرة السالك في جهاده لنفسه، واستعداد قلبه للتلقي والتَّزَكِّي والتطهر

وثمة معايير تتحكم في ذراعي الفرجار، وحركة أحدهما وثبات الآخر؛ هذه المعايير هي: دقة الالتزام بأوامر الله تعالى ونواهيه، لذا فإن المتصوف الحقيقي هو الذي التزم بالشريعة قرآنًا وسنة، فأصلح عالمه الظاهري، وانطلق إلى تربية عالمه الباطني، وهو في عمل دؤوب وجهاد دائم سعيًا إلى الكمال الظاهري، وإلى ذروة الانكشاف الباطني

وهو لا ينسى أبدًا أن عالمه الداخلي الباطني هو الأساس وهو الأهم، لأنه هو المنطلق نحو الكمالات، فالقلب هو الذي يوجه الإرادة، والإرادة هي التي توجه الأفعال، والأفعال هي مناط الإصلاح

ولهذا كان لابد في التصوف من تطهير القلب -الذي يعد مركز الأحاسيس والنيَّات- وتزيينه بالمحامد وتطهيره من الخبائث، فالقلب السليم يحوِّل ما ينزل به من قضاء الله تعالى إلى تجلياتِ لطف ورحمة وبركة، أما من ساءت نياتهم القلبية فلن يجدوا النور في طريقهم البتة

والقصة التالية مثال معبِّر عن هذه الحقيقة

خرج أَنُوشِرْوَان -الذي اشتهر بعدالته في التاريخ- ذات يوم إلى الصيد، ثم افترق عن أصحابه وسلك طريقًا أدَّى به إلى بستان، وهناك رأى شابًّا،فطلب منه رمانة يرتوي بمائها

فعصَرَ أَنُوشِرْوَان الرمان وروى ظمأه، وسُرَّ كثيرًا بذلك، وغدا كالمنتشي، وقال في نفسه

«لا بد أن أحصل على هذا البستان، فلثماره لذة ما بعدها لذة، عليَّ أن آخذه مهما كانت الوسيلة»

ثم طلب رمَّانة أخرى، لكنها كانت جافَّة حامضة، فسأل عن السبب، فأجابه ذاك الشاب ذو الفراسة

«يا مولاي، لا بد أن قلبكم مال إلى الظلم، وفكَّرتم في أخذ هذا البستان منِّي بقوتكم وسطوتكم»

فتخلى أَنُوشِرْوَان عن أخذ البستان قسرًا، وندم على هذه النية السيئة وتاب، وحين طلب رمَّانة أخرى وجدها أحلى من الأولى وأكثر عصيرًا

فاحتار السلطان، وسأل عن الحكمة في لذة هذه الرمَّانة، فقال له الشاب هذه المرة

«أظن أنها التوبة عن غصب البستان»

ويُروى أن أَنُوشِرْوَان تاب -نتيجة هذه الحادثة وأمثالها- عن الظلم والجور، وأصلح قلبه، وصار يراعي الحق والحقوق مراعاة دقيقة، فغدا اسمه مرتبطًا بالعدالة إلى الأبد

وأدى أَنُوشِرْوَان الحقوق لشعبه وزاد فيها، وتسامح معهم جميعًا، وحين تُوفي طافوا بتابوته في كل أرجاء مملكته، وفي تلك الأثناء صاح المنادي

«من كان له حق عندنا فليأت ليأخذه»

فما وجدوا امرءًا له درهم واحد عنده

نفهم من هذه القصة أن من تطهرت قلوبهم يتركون دائمًا الفضائل والذكريات الجميلة وراءهم، فأحوال الإنسان وحركاته هي مرآة لعالمه الداخلي، فكما أنه لا يمكن رسم خط مستقيم بمسطرة عوجاء، كذلك لا يمكن انتظار سلوك حسن من إنسان لا يعرف قلبُه الصفاء والنقاء

وإذا لم تكن ثمار الشجرة سليمة فنعلم حينئذ أنه ثمة مرض في جذرها ولا بد من علاجها، والقلب مثل الشجرة، فإن كان مترددًا على الهوى والوساوس، فينبغي أن يخضع لتربية معنوية

وغاية التربية الصوفية هي جعل الفؤاد يحيا بمشاعر عميقة ووجدان سام، وبفضل ذلك وحده يغدو حال الإنسان وسلوكه في ذروة الفضيلة، فيصبحَان وسيلة لنيل رضا الله تعالى

وقد كانت حياة النبي صلى الله عليه وسلم تحتوي على أصولٍ وطرائق استثنائية تضمن للقلوب عبودية صادقة سامية، وقد اتبع صلى الله عليه وسلم في أساليبه التربوية المعنوية أدق القواعد القلبية، ومن هذه القواعد أنه لم يوجِّه اللوم قط إلى الشخص الذي يخاطبه، أو الشخص الذي يتحدث عنه؛ بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يلجأ إلى التورية والتعمية، فلا يجرح ولا يفضح أحدًا، وربما كان يحمِّل القصور على نفسه، فكثيراً ما كان يبدأ حديثه في الأمور التي تقع بقوله: «ما لي أراكم»، وكان إذا بلغه عن رجل أمرٌ ما، لم يقل: «ما بال فلان يقول؟» ولكن يقول: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟» (أبو داوود، الأدب، 5/4788)

وقد تعلم أهل القلوب وأهل الإصلاح هذا الدرس النبوي، فنراهم يتبعون أصول الرقة، ويراعون الأحاسيس القلبية في معاملاتهم مع الناس، ويتخذون من مسامحة الخلق شعارًا لهم، ولأن اهتمامهم مُنصَبٌّ على الباطن وعلى القلب، فإنهم لا يهتمون بالظاهر الذي أساء إليهم؛ بل يسامحون المذنب ليتخلص من ذنبه، ويعاملون المسيء بالرحمة ليستميلوا قلبه، وينسون الذنب لتسكن عواصفُ الغضب، وتنطفئ نارُ الغيظ، فتهدأ الأجواء، وتسكن الأنواء، ولا يتبقى إلا الصفاء

أهل القلب المصلحون يقومون بخطوة أكثر أهمية قبل إصلاح أحوال الناس؛ إنهم يجهزونهم أولاً لهذا الإصلاح وقبولِه والأنسِ به، من خلال أنس الصحبة، وهدوء الطبع، وسماحة النفس، ولطافة القلب، وبركات اللمسات النورانية

هذا الأسلوب القلبي في التربية قائم على التسامح ونفي الشعور بالانتقام؛ بل حتى تجنب اللوم والتقريع والدفع بالكرم والإحسان، فها هو الكريم ابن الكريم ابن الكريم سيدنا يوسف عليه السلام وموقفه مع إخوته، يُلقونَه صغيرًا ضعيفًا في الجب، فيلقاهم قويًا «عزيزًا» بالحب، لبى طلبهم وأكرم نزلهم وأعطاهم من الطعام ما يكفي قومهم، ثم هو ينسب إساءتهم له إلى الشيطان لا إليهم، ثم هو يدعو الله لهم ويستغفر لهم

(قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ الله لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)  (يوسف،92)

والنفس البشرية مهما كانت سادرةً في غيها عندما تقابل مثل ذلك الشعور القلبي الراقي، ومثل تلك المعاملة الشريفة، لابد أن تدركها المعجزة، ويؤثر فيها الإعجاز، أو على الأقل تبهتها المفاجأة. مفاجأة التحول من أقصى الشعور المتوقع للانتقام إلى أدنى الشعور المتلقي للتسامح والمحبة، عندها تنقلب الشقاوة هدى، وتتحول دواعي الذنوب إلى عوامل للتوبة

وإذا استصعب بعض من الناس هذا المثال وتعذر بأن من قام به إنما هو نبي وليس فردا عاديا، فهاؤم قصة وليٍّ صوفيٍّ ورجلٍ مربٍّ مع شُرَّاب خمر، مجموعة من الشباب الغافل يجتمعون على شاطئ نهر دجلة حول المعازف والقيان والكؤوس والدنان، يشربون الخمر ولا يبالون بأحد، وإذا بالشيخ معروف الكرخي -قدس الله سره- يمر بهم، وكأنه هتك سترهم، ومحا سرورهم، فقد ظنوا أن الرجل الرباني سيدعو عليهم -وكان معروفًا أنه مستجاب الدعوة- فيصيبهم الهلاك، حتى إن أحدهم صدمه ذلك الشعور بالانتقام، فقام مغاضبًا، وصرخ في وجه الشيخ منتهرًا مستهزئًا: «هيا لا تتلكأ، ادعُ علينا حتى نغرق في خضم دجلة»

لكن معروفًا الكرخي لا يستفزه ذلك الاستهزاء، ولا يحركه الشعور بكراهية المذنب، إنما تدفعه مسؤولية التخلص من الذنب، واحتواء المذنب بالحب، فيرفع يديه إلى السماء داعيًا: «اللهم كما فرَّحتهم في الدنيا، ففرِّحهم في الآخرة»

ولوقع المفاجأة لا يدرك الشباب معنى كلمات الشيخ، فيسألونه

«انظر ما تقول أيها الشيخ؟ هل تعي ما تدعو به»

وهنا لا يشرح الشيخ مقولته، إنما يبين لهم طريقته وأسلوبه التربوي

«يا بَنيَّ، إذا فرَّحكم في الآخرة تاب عليكم»

وبعد أن زال عن الفتية هول الموقف ومهابته، إذا هم يعيدون حساباتهم، ويقرِّعون أنفسَهم، فيوبخهم شعور الندم، وتنتابهم رغبة التوبة، فيكسرون المعازف، ويريقون دنان الخمر، وينطلقون إلى طلب الفرحة والسعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة

وثمة خاصية أخرى في معايير التربية المعنوية لدى التصوف، وهي مراعاة اختيار أسلوب الإصلاح بما يتوافق مع طبيعة كل فرد واستعداده؛ إذ ليس من الحكمة أن تتجاهل طبيعة كل إنسان وخصوصيته، فتجهل الأسلوب الأمثل في توجيهه وتربيته، كما أن المرشد الكامل هو الذي يدرك كنه هذه الفطرة والطبيعة الخاصة لكل مريد، فيصون هذه الطبيعة وذلك الاستعداد عن الانجراف في التيار النفساني؛ ويقود المريد إلى استخدامه في أسمى الغايات ويوظفه للارتقاء به إلى أعلى الدرجات، وذلك عبر معادلة وتركيبة دوائية تناسب حالته، وتوافق أدواءه، فيكون شفاؤه في عالمه المعنوي، وترياقه في عالمه القلبي، ونبراسه في عالمه النوراني

ألا ترى العرب في جاهليتهم -وكانوا مضرب المثل في قساوة القلوب، والتجرد من الشعور، لا تعرف الرحمة إليهم طريقاً، ولا يجد الضعيف لديهم جوارًا، ولا يجد اللين في قافلتهم ركابًا- ها هم أولاء تحدث فيهم المعجزة، فيصبحون أرق الناس أفئدة، وألين الناس عريكة، وأصفى الناس قلوبًا، وأرقاهم أخلاقًا، حتى صاروا مضرب المثل، وحديث التاريخ والدنيا في مناقبهم وآثارهم ونموذجيتهم

كل ذلك التحول كان عبر التربية التي تلقوها على يد النبي صلى الله عليه وسلم والمحبة التي ملأت جوانحهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فامتلأت عبادتهم خشوعًا، وأفعالهم لله خضوعًا، وصارت أخلاقهم مثالاً، وأفعالهم نبراسًا، وسِيَرهم أنموذجًا

وكان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم هم النموذجَ الأرفع للتربية النبوية في الظاهر والباطن، وها هو سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يصف هذه الحالة، فيقول

 «ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يُؤكل» (البخاري، المناقب، 25)

تلك هي التربية القلبية المعنوية النبوية التي رباها النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، حتى وصلوا إلى هذا السمو ظاهرًا وباطنًا، وهي نفسها التربية الصوفية التي تهدف إلى تزكية النفس، وتطهير القلب، وهي أيضًا التي تتحقق على أيدي ورثة النبي من العلماء أهل السلوك والتصوف والمربين الحقيقيين

أما السالكون في هذا الطريق، والمجاهدون للسير فيه حتى يبلغوا أعلى الدرجات، والساعون إلى مرتبة «الإنسان الكامل»، فهؤلاء هم المنتسبون إلى مدرسة التربية الصوفية، وهؤلاء هم أهل السير والسلوك


السيرة الأسوة لنبيِّ الرحمة

إن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة كاملة لكل  إنسان

فهو صلى الله عليه وسلم أسوةٌ بزعامته الدينية، وأسوةٌ بقيادته دولته، وأسوةٌ لمن يعتصم بحبل محبة الله سبحانه وتعالى، وأسوةٌ بتواضعه وشكره في أوقات تنعُّمه بنعم ربه

وأسوةٌ بصبره وتسليمه في الأيام الشِداد والمصائب الجِسَام، وأسوةٌ بكرمه واستغنائه وعزة نفسه أمام الغنائم والهبات، وأسوةٌ برأفته بأسرته، وأسوةٌ برحمته بالعبيد والضعفاء والمساكين، وأسوةٌ بعفوه وصفحه عن المجرمين

فإن كنت غنيًّا ذا مُلكٍ ومال، فتفكَّرْ في كرم ذلك النبي العظيم الذي حكَم الجزيرة كلها، وأخضع معظم زعماء قبائل العرب بمحبته

وإن كنت من الرعية الضعفاء، فتأسَّ  بحياة النبي الذي عاش في مكة تحت ظلم المشركين واضطهادهم

وإن كنت فاتحًا مظفَّرًا، فاعتبِرْ بحياة النبي الجَّسور الراضي الذي غلب أعداءه في بدر وحنين

وإن كنت ممن حاقَت بهم الهزيمةُ- نسأل الله تعالى السلامة- فتذكِّرْ النبي المتوكل الذي طاف على أصحابه الجرحى والشهداء يوم أُحُد بشجاعة وثباتٍ ومتانة

وإن كنت معلِّمًا، فاذكرْ النبي الذي كان يعلِّم أصحاب الصُّفَّة في المسجد أمور دينهم بقلب رقيق حساس رهيف

وإن كنت طالبًا، فتخيَّلْ النبي الذي كان يجلس أمام جبريل الأمين الذي يدارسه القرآن الكريم

وإن كنت مرشدًا أمينًا وواعظًا حقًّا، فاستمع- بأذن صاغية واعية- إلى النبي الذي كان يوزِّع الحكمة على أصحابه في مسجده

وإن كنت تريد أن تدافع عن الحق وتبلِّغه وتنطق به، ولم يكن أحد يعينك في هذا الشأن؛ فانظر في حياة النبي الذي نطقَ بالحق أمام مشركي مكة والظالمين فيها ودعاهم إلى الإيمان ولم يكن له فيها مُعين

وإن هزمت عدوَّك وقصمت ظهره، وأزلتَ عناد خصمك وانتصرت عليه، وأظهرت الحق وأزهقت الباطل؛ فلا يغيبنَّ عن ذهنك النبيُ القائد الذي طأطأ رأسه وهو على ناقته تواضعًا وشكرًا لله سبحانه وتعالى يوم فتح مكة

وإن كانت لك بساتين وتريد أن يعمَّ الخير فيها،  فاقتدِ بالنبي الذي اختارَ رجالًا يُصلحُون أراضي بني نضير وخيبر وفدك بعد أن ملكها، كي يديروها على أفضل صورة

وإن لم يكن أحدٌ بجنبك، فاذكرْ ذلك اليتيم البريء النيِّر الوجه فلذة كبد عبد الله وآمنة وقرة عينهما

وإن كنت شابًّا، فعليك بحياة الشاب المختار للنبوة الذي كان يرعى أغنام عمه أبي طالب في مكة

وإن كنت تاجرًا تخرج بقوافلك التجارية، فتأمَّلْ -يرعاك الله- أحوالَ ذلك الرجل المبارك الذي كان أعظم الرجال في القافلة التجارية المتجهة إلى بصرى الشام

وإن كنت قاضيًا وحاكمًا، فأمعِن النظرَ في السلوك العادل النابع من فراسة النبي صلى الله عليه وسلم أثناء وضع الحجر الأسود في الكعبة بعد أن كاد زعماء مكة يقتتلون فيما بينهم

وارجع بنظرك إلى التاريخ كرَّةً أخرى، وانظر إلى ذلك النبي الذي كان حكَمَا بين الناس في مسجده في المدينة فَعدَلَ، حين تساوى في نظره الفقير المعسور والغني الميسور

وإن كنت زوجًا، فدقِّق النظرَ في سيرة ذلك الزوج المبارك زوج السيدة خديجة والسيدة عائشة، وفي مشاعره المرهفة، ورأفته بأهله

وإنت كنت أبًا، فتعلَّمْ أحوالَ والد فاطمة الزهراء وجدِّ الحَسَنَين ومعاملته إياهم

ومهما كانت صفتك، ومهما كانت أحوالك، فستجد النبي صلى الله عليه وسلم صباحَ مساءَ وفي كل وقت وحين أعظمَ مرشد لك وخير دليل

فهو هادٍ تستطيع بالاستِنان بسنته أن تصوِّبَ أخطاءك، وتصلح أحوالك وترجع أعمالك إلى الطريق الصحيح، وستتغلب على عوائق حياتك، وتجد السعادة الحقيقية بنوره وإرشاده

فنفهم من هذا كله أن حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوةٌ حسنةٌ أيّا كان موقعك وحالك في المجتمع. والمراحل التي عاشها نبينا صلى الله عليه وسلم طوال حياته لا بد أن يجد فيها كلُّ مَن تقلَّبت به الحياة حلًّا وسلوكًا يخرجه مما هو فيه. لذا فإن حياته عليه الصلاة والسلام أكمل قسطاس فعلي للناس جميعًا مهما اختلفت مواقعهم ومقاماتهم

ولَعَمري إن سيرته العطرة كباقة من الورود النادرة المختلف ألوانها وروائحها، فكل إنسان يجد في سيرته عليه الصلاة والسلام أجمل سلوك وأفضل معاملة فيتخذها أسوة حسنةً له

*

وإن أنت نقَّلت ناظرَيك حيثما شئت في هذي الأرض فرأيت عدلًا يدوم بين الناس، أو رحمة ورأفة تربط قلوب البشر بعضها بعضًا، أو وجدت الأغنياء في مجتمع يسارعون إلى عون الفقراء وقضاء حاجاتهم، والأقوياء يحمون الضعفاء والمظلومين، والأصحَّاء يعينون العاجزين، والأثرياء يرعون اليتامى ويطعمون الأرامل والمساكين؛ فاعلم يقينًا أن الفضائل هذه كلها تنبع كل حين من الأنبياء، ومن سار على دربهم من الصالحين الأتقياء

وهذه الحقيقة تراها على أجلى صورها في حياة رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو خير الأنبياء والمرسلين؛ حتى إن المنصفين من غير المسلمين لم يجدوا مفرًّا من الاعتراف بكماله وفضله وتقديره

فالكاتِب الإنجليزي توماس كارليل وضع في كتابه «الأبطال» أرقى النماذج البشرية في التاريخ البشري، وحلَّل في كل مجال حياة أفضل رجل وآثاره، فذكر فيه مَن الذي يستحق البطولة في الشِعر، أو الحُكم، وغيرها من مجالات الحياة... وقد ذكر هذا النصراني الذي لم يُخفِ نصرانيته في كتابه أن البطلَ نبيًّا إنما هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن حلَّل شخصيته ودرس حياته

ولمَّا اجتمع رجال العلم والفكر في مدينة لاهاي في هولندا أواسط القرن الماضي، واختاروا مئة من العظماء الذين أثَّروا في حياة البشر، لم يجدوا مناصًا من اختيار سيدنا محمد الأول على رأس قائمتهم مع أنهم كانوا جميعًا نصارى

فالفضيلة الحقيقية هي التي تُجبِر العدو أيضًا على الاعتراف بها وتصديقها!.. وفضيلة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم اعترف وأقر بها حتى من لم يؤمنوا به

لأن الأخلاق الفاضلة الكاملة التي تحيط بكل جوانب الحياة قد اجتمعت كلها في سيرة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم. والسيرة الأسوة التي ترشد الناس في صفحات حياتهم كلها- على اختلاف أحوالهم- إنما هي سيرته صلى الله عليه وسلم وحدها؛ فهو الركيزة الأساسية في تعليم الناس على هذه الأرض، وهو المرشد الوحيد للبشر كلهم. وهو من ينير درب المُستنيرين، بهديه الذي يستنير به كل من يبحث عن الصراط المستقيم

وأما حلقة إرشاده فقد كانت مدرسةً تجمع كل طوائف الناس؛ إذ كانوا يجتمعون عنده على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وطبقاتهم، وتنوع ثقافاتهم وأحوالهم الاجتماعية. ولم يُذكَر أن مُنِع أحد من حضور تلك الحلقة. ولم تكن حلقَته صلى الله عليه وسلم مخصوصة لقوم دون غيرهم، بل كانت مائدة علم وعرفان تستضيف الإنسان لإنسانيته فقط، ولم يكن فيها فرق بين القوي والضعيف أو الغني والفقير، بل كان كلهم سواء هناك

وانظروا إلى أتباع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، تجدون بينهم النجاشي ملك الحبشة، وفروة بن عمرو الجذامي زعيم معان، وذو الكلاع فيروز الديلمي زعيم حمير، ومركبود من زعماء اليمن، وعبيد وجعفر من ولاة عُمان

وإن نظرنا مرة أخرى نجد إلى جانب هؤلاء الزعماء الأقوياء، الضعفاء والعبيد أمثال بلال، وياسر، وصهيب، والخباب، وعمار، وأبو فكيهة؛ والإماء مثل سمية، ولبانة، وزنيرة، والنهدية، وأم عبيس

وكان من بين أصحابه العظماء صحابةٌ يتصفون برجاحة العقل، وقوة الفكر، وصواب الرأي، واقفين على أدق الأمور، ومطَّلعين على أسرار الدنيا، وقادرين على إدراة البلاد بحكمة وعدل

لقد حكم أتباع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المدن والولايات، فعاشوا مع المحكومين في إطار الأخوة، ووصل الناس بفضلهم إلى السعادة ونَعِموا  بالعدل، ونشروا بين الناس السلام والأمن

وها هوَ الفيلسوف الفرنسي لافاييت الذي كان ممن وضعوا الأسس الفكرية للثورة الفرنسية - وذلك قبل الإعلان المشهور عن  "حقوق الإنسان"- يدقِّق في أنظمة الحقوق كلها ويقلِّب فيها فيرى عظمة الحقوق الإسلامية ليصيح قائلًا

«أيها العربي الأصيل! مهما قَدَّروا شأنك لن يعطوك حقَّك! لقد وجدت العدل نفسَه»

*

لقد استطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتربيته الطاهرة وتأثيره وسحر بيانه أن يُنبِتَ من تربة المجتمع الجاهلي المتوحش -الذي لا يعرف أكثره الإنسانية- جيلًا من "الصحابة" لم يكن مثله جيل، وسيبقى خير جيل في تاريخ البشر حتى قيام الساعة، وجمعهم صلى الله عليه وسلم ووحَّد دينهم ورايتهم وحقوقهم وثقافتهم وحضارتهم وحكمهم

وجعل من الجاهل متعلِّمًا، ومن الوحشي متحضرًا، ومن المجرم تقيًّا؛ أي جعل كل واحد منهم صالحًا يحيا بخشية الله تعالى ومحبته

لقد ظلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيا حياة التواضع التي كان يحياها في ماضيه دون أن يغتر بأي من نِعَم الدنيا التي بُسِطت تحت قدمَيه الشريفتَين، مع أنه ملَكَ من القوة والسلطة ما لن يقدرَ على مُلكِه أحدٌ من الملوك في وقت قصير؛ لا بل ملَكَ القلوب حين ملأها بمحبته وربَّاها خير تربية. وبقي يعيش حياة الفقراء البسيطة في حجرته المتواضعة المصنوعة من الطوب كما كان في الماضي دون أن تغيِّره الأيام، ونام على وسادة مصنوعة من أوراق النخيل، ولبس البسيط من اللباس، وعاش حياة الفقراء بل أدنى منها، وكان في بعض الأوقات لا يجد ما يأكله فيضع حجرًا علي بطنه كي يُسكِّن جوعه، وظل يشكر ربه ويبتهل إليه مع أن الله سبحانه وتعالى قد غفر له ذنوبه ما تقدم منها وما تأخر

وكان عليه الصلاة والسلام يقوم الليل ويصلي حتى تنتفخ قدماه، ويعين الغرباء، ويواسي اليتامى والمساكين، وكان ينشغل -بنفسه- بأعجز الناس على كِبَرِ شأنه، حتى إنه كان يحميهم ويرعاهم برأفته ورحمته الواسعة

ويوم فتح مكة كان أقوى الرجال وأعظمَهم هيبة في نظر الناس، فجاءه رجل  يكلَّمه، فجعل ترعُدُ فرائِصُه خوفا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم

«هوِّن عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد»

وفي ذلكم اليوم جاء صاحبه في الغار أبو بكر رضي الله عنه يحمل أباه الشيخ على ظهره كي يُسلِم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم

«ألا تركت الشيخ في بيته حتى نأتيه؟»

فضرب بتلك المعاملات أمثلةً في التواضع لا نجد لها مثيلًا في تاريخ البشر

*

وخضعت القبائل كلها لحكمه طوعًا، وصار الحاكمَ على الجزيرة العربية كلها. وكان عليه الصلاة والسلام قادرًا على فعل ما يشاء، لكنه ظلَّ متواضعًا معلِّمًا الناسَ أنه لا يملك شيئًا، وأنَّ الملك كله لله  وحده. وكانت بين يديه ثروة عظيمة، إذ تدفقت الأموال إلى المدينة المنورة على ظهور الإبل، فوزعها كلها على المحتاجين وبقي يعيش كما عاش في سالف الأيام. وكان يقول عليه الصلاة والسلام

«لو كان لي مثل أُحُد ذهبًا ما يسرني أن لا يمر عليَّ ثلاث، وعندي منه شيء إلا شيء أرصده لدَين»

وكانت تمضي الأيام ولا تُوقَد نارٌ للطعام في بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكان كثيرًا ما ينام وهو جائع

ودخل سيدنا عمر رضي الله عنه مرةً حجرةَ النبي صلى الله عليه وسلم، فلما نظر فيها وجدها فارغة؛ ويحدثنا عن ذلك فيقول

«وإنه "أي رسول الله" لعلَى حصير ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم، حشوها ليف، وإن عند رجليه قَرَظًا  مضبورًا ، وعند رأسه أُهُبًا  معلقة، فرأيت أثر الحصير في جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم »

فكانت تلك ثروة رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما كانت الجزيرة العربية خاضعة له، فلمَّا رأى سيدنا عمر ما رآه بكى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:  «ما يبكيك؟» فقال: يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

«أما ترضى أن تكون لهما الدنيا، ولك الآخرة»

*

وعن عبد الله بن مسعود v قال: نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فقام وقد أثَّر في جنبه، فقلنا: يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء، فقال:  «ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍ استظل تحت شجرةٍ ثم راح وتركها»

لقد كانت حياته عليه الصلاة والسلام أسوةً حسنةً لكل أفراد أمته؛ غنيِّهم وفقيرهم، وقويِّهم وضعيفهم

ولما توفي لم يترك وراءه درهمًا ولا دينارًا، ولا عبدًا ولا شاة... بل كل ما تركه بغلته وسلاحه وأرض فَدَك التي أوقفها. أي لم يترك عليه الصلاة والسلام لأهله شيئًا، حتى إنه حرَّم على آل بيته أخذ الزكاة خشيةً مِن أن يُنفِق المسلمون زكواتهم كلها على آل بيته

وعن عائشة رضي الله عنها قالت موضحةً البركةَ في ما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم

«توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد، إلا شطر شعير في رفٍّ لي، فأكلت منه حتى طال عليَّ، فكِلْتُه فَفَني»

وما ذكرناه هنا دليل واضح على أننا لم نجد ولن نجد قائدًا فذًّا يُقتدَى به مثل هذا النبي الأمي الذي وُلِد في عصر الجاهلية قبل ما يزيد على 1400 سنة

ولم يرغب النبي صلى الله عليه وسلم قطُّ في هذه الأشياء الدنيوية الخدَّاعة مثل الغنى والترف، والُملك والشهرة، والسعة والراحة؛ إذ كانت أموال الدنيا وعظمتها لا تساوي في ميزانه شيئًا أمام إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى

وعن عائشة رضي الله عنها قالت

«دخلت امرأة من الأنصار عليَّ، فرأت فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم عباءةً مثنية، فانطلقت فبعثت إليه بفراش حشوه صوف، فدخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:  "ما هذا؟"  قلت: يا رسول الله فلانة الأنصارية دخلت عليَّ فرأت فراشك فذهبت فبعثت بهذا، فقال:  "رُدِّيه"، فلم أرده وأعجبني أن يكون في بيتي، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فقال

"والله يا عائشة لو شئتُ لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة"

وهذا الحديث وحده يكفي دليلًا على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل للدنيا في قلبه أينصيب

ومن أميز خصاله صلى الله عليه وسلم إلى جانب هذه الخصال الحميدة التي ذكرناها محبتُهُ العظيمة لأمته، وأوضح دليل على هذا قول الله سبحانه وتعالى

{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}

إن شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم المباركة كالجزء الذي يُرَى من الجبل الجليدي في عرض البحر، فشخصيته بمظاهرها التي يُدركها العقل البشري وحدها إنما هي ذروة منظومة السلوك البشري التي لا يبلغها إنسان بعده؛ ذلك لأن الله سبحانه وتعالى خلق هذا المخلوق المبارك كي يكون  «أسوةً حسنةً»  للناس أجمعين، فجعله يحيا  «طفولة يتيمة»، وتلكم أدنى مستويات العجز في المجتمع البشري، ثم رقَّاه في مراحل الحياة درجةً درجةً إلى أن رفعه إلى أعلى درجة من القدرة والسلطة حينما جعله نبيًّا لأمته وقائدًا لدولته، وكل ذلك كي لا يكون على أي امرئ حرجٌ في الاقتداء بكمال سلوكه وحسن معاملاته، فيميل إلى ذلك على قدر طاقاته وقدرته

واسم «محمَّد» اليوم من أكثر الأسماء انتشارًا في الأمة الإسلامية، وذلك برهان جليٌّ على حُبِّ الأمة لنبيها الكريم، لعلهم يرون في كل محمدٍ خصالًا من نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم

*

لم يكن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كمَن يدَّعون إرشاد البشر لا سيما الفلاسفة، فمُذ وُلِدَ صلى الله عليه وسلم كان كاملًا في أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته كلها بعون من الله تعالى وتأييد، لا كغيره حينما يبني شخصيته ويكملها شيئًا فشيئًا. فقد ظهرَ منه صلى الله عليه وسلم -حتى في طفولته- كمالُ السلوك الذي أجلَى قدرَتَه على حمل المسؤولية العظيمة التي سيُكلَّف بها في المستقبل

أما الفلاسفة الذين لم تتربَ عقولهم بالوحي، فقد بقيت الأفكار والأصول -الإيجابية أو السلبية- التي وضعوها تحت اسم الأخلاق والإصلاح  الاجتماعي محصورةً أكثرها بين سطور الكتب، وأما التي نجت فرأت النور فلم تعمِّر طويلا، ذلك أن الفلاسفة لم تكن لهم مهمة عامة مثل مهمة النبوة

ولم تُطبَّق الأمثلة الفعلية للمبادئ التي وضعها الفلاسفة من أجل كمال السلوك البشري لا في حياتهم ولا في حياة غيرهم، أما أفعال النبي التي هي قسطاس فعلي للسلوك الأخلاقي فقد كانت قدوة كاملة للبشر

فالفيلسوف نيتشه -على سبيل المثال- قد ملأ الكتب بنظريته عن  "الإنسان الأعلى"  غير أنه لم يمثِّل لهذا المفهوم بسلوك فعلي في الحياة، فبقيَ مجرد نظرية بعيدة عن التطبيق

وإن كان حديثنا عن الأخلاق، فهاكَ أرسطو-وهو من كبار الفلاسفة- قد وضع الأسس لمجموعة من القواعد والقوانين لفلسفة الأخلاق، لكنَّا لا نجد أي امرئ قد وصل إلى السعادة بإيمانه بتلك الفلسفة المنفصلة عن الوحي الإلهي. لأن الفلاسفة لم يطهروا قلوبهم، ولم يزكوا أنفسهم، ولم تنضج أفكارهم وأفعالهم بتأييد من الوحي، لذلك ترى اليوم أن نظرياتهم وأفكارهم لم تخرج من صالات المؤتمرات أو سطور الكتب

أما في الأخلاق الإسلامية، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هاديًا لجميع البشر إلى يومنا هذا، لا بل سيبقى كذلك حتى قيام الساعة، فأفعاله صلى الله عليه وسلم كانت تمثِّل ذروة النضج في السلوك البشري كله

وقد أحبَّ الناس النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبدأ بتبليغ الرسالة، ولم تترك شخصيته الكاملة بُدًّا للناس من وصفه بـ «الصادق الأمين». وقد شرَعَ يبلِّغ الدين بعد أن ثبتت في أذهان الناس شخصيته تلك، فكانت حجَّةً على من أبَى تصديقه

لقد عرف أهل مكة سجاياه الفاضلة وحسنها وطيبها قبل أن يُكلَّف بالنبوة فأحبُّوه. وحينما اختصموا على وضع الحجر الأسود أثناء إعادة بناء الكعبة، خضعوا دون اعتراض لحُكمِه

وكان نبينا صلى الله عليه وسلم يتجنَّب الظلمَ والجور في الجاهلية. والحلف الوحيد الذي حضره قبل تكليفه بالنبوة كان "حلف الفضول"، فقد كان حلفًا للعدل بين قبائل قريش تعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلومًا من أْهلها أو من غيرهم ممن دخلها إلا قاموا معه وكانوا على مَن ظلمه حتى تُرَدَّ مَظلمَتُه. فكان هذا الاتفاق على منع الظلم والجور يَسُرُّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وقال عنه بعد النبوة

«لقد شهدت مع عمومتي في دار عبد الله بن جدعان حلفًا لو دعيت به في الإسلام لأجبت، وما أحبُّ أن أنكثه وإن لي حُمُر النعم »

إن ما استعرضناه من مظاهر العدل والرحمة والرأفة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرها إنما هي قدوةٌ حسنةٌ للبشر جميعا حتى تقوم الساعة. ولن تستطيع أي بصيرة منصفة رأت النور البرَّاق الذي يشِعُّه ذلك المصباح المبارك إلى العالَم أن تنكر حقيقته البتة. فكم من عالِم فذٍّ لم يؤمن بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولكن أجبره عقله السليم على الإقرار بفضيلته ونجاحه وبراعته؛ ومن هؤلاء توماس كارليل الذي قال فيه

«ولادته كانبثاق النور من الظلام»

«لم يرَ أي إمبراطور الاحترامَ والتبجيل الذي رآه محمد الذي كان يلبس الثوب بعد أن يرقِّعه بيده»

أما السير موير فقال

«لم يكن أي زمان أصعب وأشد على إصلاح البشر من الزمان الذي بُعِثَ فيه محمد، غير أننا لا نعلم إصلاحًا أو نجاحًا أعظم وأكمل من الإصلاح والنجاح الذي تركه محمد بعد وفاته»

ومما ذُكِر في موسوعة بريتانيكا تصديقًا لفضيلة نبينا

«لن يصل نبيٌّ أو رجل دين مصلح إلى النجاح الذي وصل إليه محمد قط»

ويقول بوسورث سميث

«إن محمدًا أعظم مصلح قطعًا وإجماعًا»

ويعترف ستانلي لين بول بالحقيقة التالية

«إن اليوم الذي هزمَ فيه محمد أعداءه هزيمةً ساحقةً هو نفسه اليوم الذي فاز فيه بأعظم فضيلة؛ فقد عفا في ذلك اليوم عن قريش دون مقابل، وشمل بعفوه أهلَ مكة كلهم»

ويقول آرثر غيلمان

«إننا نرى سموه وفضله في فتح مكة، إذ كان من الممكن أن يُساقَ بتأثير الظلم الذي رآه في الماضي إلى الانتقام من قوله، لكن محمدًا جنَّب جيشه إزهاق الدماء، ورأف بالناس وشكر الله»


الشوق إلى الإنسان ذي الخصال السامية

إدريس أربات

من المهام الاجتماعية العظيمة الصعبة تحلية الإنسان-بواسطة العلم- بالمشاعر الرقيقة والأفكار السامية، وجعل الأساس نيل رضا الله أثناء السعي وراء الغايات التي لا تنتهي

لكن هل المجتمع يفكر بهذا الأمر؟

لعلَّ أولئك الذين يتولَّون المسؤولية ومراكز القرار في المجتمع وقادة المنظمات الأهلية المخلصين يفكرون بذلك ويخططون له. إن إدراك الفرق بين ما هو كائن وما يجب أن يكون يحتاج إلى مستوى معين من الفكر، فكما أنه "ليس كل جناح قادر على التحليق وعبور البحار" فإنه ليس كل عقل قادر على التمييز بين المهم والأهم

وأكبر هدية وهبها الأنبياء للإنسانية تربيتهم لأُناس يعقلون ومؤهلون تأهيلاً جيداً؛ فالأيام الخيرِّة جاءت مع الأشخاص الخيريين

إن العلم والعرفان والعمل الصالح أساس التنشئة الجيدة للإنسان. ويقال: الإنسان بحاجة إلى "أجنحة من المعرفة للتحليق إلى الجنة". يكمن جوهر القضية في تنشئة أفراد يتمتعون بحس المسؤولية

والواجب هو ما يأمر به الإيمان والضمير والعقل، وتأدية هذا الواجب شرط أساسي لتنفيذ الأوامر الإلهية والشعور براحة الوجدان، ومن لا يؤدي واجبه لن ينجو من عذاب وجدانه

إن القيام بالأعمال الصالحة يعني العيش بمقتضى إيماننا. ويمكن القول إن العمل الصالح هو الأخلاق. وإذا كان "الإيمان وردة عطرة أزهرت في قلوبنا، فإن العمل الصالح/الأخلاق هو رائحتها الزكية التي تشربتها أعضاؤنا

والغاية من بعث الأنبياء هي الدعوة إلى التوحيد وإحلال العدالة والحرية والارتقاء بالإنسان. يقول نبينا عليه السلام: "إنما بُعِثت لأتمم مكارم الأخلاق". لقد علَّمَ الأنبياء الإنسان استخدام عقله وإرادته ومعرفة حدوده أمام الله تعالى وقيمته أمام البشر. وجعل الوحي البشر يتمتعون بعالم مزدوج، ووسَّع آفاقهم

إن غياب حس المسؤولية سيجعل العمل والإيمان عقيمين، فمن تنتهي غايته سينتهي هو أيضاً، وبقاؤنا بلا عمل ومناقشتنا أموراً فارغة سيؤدي إلى هدم المجتمع، ويحوِّلنا إلى عبء ولا شيء سوى ذلك

الإنسان يثبت قيمته بالعمل الدؤوب، وعليه ألا ينتظر أي شيء من الآخرين مادياً كان أم معنوياً. وهذا أمر لا يتحقق إلا بالإيمان، فعند غياب الإيمان ينعدم الوجدان، ومع انعدام الوجدان تغيب التضحية، فيصبح الإنسان مشكلة الإنسان

ما أشدَّ حاجتنا إلى أشخاص منكبِّين على أعمالهم، يعملون بصمت ويشعرون بمتعة معنوية كبيرة في عملهم، أناس يتمتعون بقلوب مفعمة بالحيوية

إن خمول الإنسان غير مقبول، فالأرض والسماء والزهور والحشرات وجميع الكائنات الحية أو غير الحية تعمل بدأب ونشاط

لماذا على الإنسان العمل لنشر الخير في وقت "تخور فيه القوة وتنتهي المتعة"؟ ما الحكمة من ذلك؟

هناك إجابة وحيدة على هذا السؤال ألا وهي: الإيمان وكسب رضا الله تعالى. فالإيمان ورضا الله هما التربة الخصبة لبذل جميع التضحيات ونيل البركة

إذن سيحاول أعداؤنا الأذكياء استهداف عقولنا وقلوبنا، هذا الأمر لا يغيب عن بال القوى الصديقة والتي ستحاول أن تكون "بناءة وإيجابية" ولن تتخلى عن متعة أداء الواجب بدقة وأن تكون في المكان الذي يجب أن تكون فيه

لا محطة أخيرة على طريق السير إلى الله جل جلاله، ومهما بلغتَ من المراتب ستكون أمامك دوماً مراتب أجمل ودرجات أعلى. أداء "واجبنا الحالي" هو مهمتنا الأساسية في هذا المسير. سيستمر السعي من خير إلى خير طالما بقي فينا "قلب ينبض وعين تبصر". وكلما ارتقينا من مرتبة إلى أخرى سنفهم أكثر كلام الله جل جلاله، وسنرى بوضوح الأهم والمهم. سيسير الرواد في المقدمة وسيحاول الآخرون اللحاق بركبهم. وهكذا ستستمر مغامرة تسلق "تلة الإنسانية المؤدية في نهايتها إلى الجنة" والتي غايتها هي رضا الباري

من يخدم الحق والحقيقة، ويحرس العدالة والحرية يشحذ همَّته باستمرار. أما الذي لا يستلهم من الوحي والذي انطفأت همته ستذروه الرياح. ولعل أسوء ما في الأمر هو أن لامبالاة الصالحين تؤسس لحكم الفاسقين. تبلغ نسبة المسلمين في عالم يصممه الفاسقون 10% وحتى هؤلاء يعانون التمزق والتشرذم. لا مناص من نشر النور والخير كي لا يخلو المكان للأشرار. "من يقف يسقط ومن يسقط يُسحق، وفي قانون الذئاب فإن من يسقط يُؤكل، والإنسان الذي لا أسنان له يأكله إخوته

إن الطريق لنشر الجمال ولدعاء الأمهات ولفرح الأطفال على وجه الأرض يمر عبر التحول إلى إنسان يقوم بواجبه، إنسان يحس دائمًا بوجود العرش الأعلى

إن حملنا ثقيل وطريقنا طويل

السلام على من آمن بالله جل جلاله أولاً ثم على من وثق بنفسه


العلاقة

بين

إمبراطورية كانم برنو )نيجيريا( والخلافة العثمانية

موسى عمر موسى 

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على خير خلق الله سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين، وبعد

المقدمة

لا شك بأن الأمم والشعوب تتباهى بكثرة ما تملكه من رصيد ثقافي ومعرفي وحضاري وما تتميز به من إرث فكري يدل على أصالتها وعمق جذورها في التاريخ الحضاري للمجموعة البشرية، ولذلك نراها تجتهد في إحصاء ما لديها من صنوف التراث وتستقري ذلك بدقة متناهية داخل الوطن وخارجه، فهي تعد فهارس المخطوطات وتترجم لمن صنعوا رصيدها العلمي عبر العصور، وتضع أسماؤهم على معالمها الحديثة، بل ترفعها إلى الكواكب الأخرى، كما فعلت بتسمية المواقع على سطح القمر، إظهارا لاعتزازها بصانعي التراث الإنساني عبر العصور. وسبيل التتبع لأمجاد الأمة في هذا المجال هو التاريخ الثقافي والتوثيق العلمي الذي يسجل الأحداث والآثار على اختلاف طبيعتها، فيعرف بها ويفسر ظواهرها، ويستشف أبعادها الإيجابية، وظلالها السلبية، لكي يضع المجتمع الجديد أمام إرثه الإنساني، وسيرته العلمية وتجاربه الذاتية، مستفيدا من تلك التجارب والآثار في تطوير حياته وتقويم عيوبه وإكمال نقصه وتنمية قدراته

وهكذا فالتاريخ الثقافي رحلة في بواطن التاريخ الاجتماعي والفكري والديني لمجتمع ما عبر أجياله المتلاحقة، بقصد إمداد المجتمع الحاضر بدفع معنوي ومادي زاخر يسهم في تحويله إلى الأفضل. وبما أن الحق تبارك وتعالى رسم منهج التعارف والتعاون والتواصل أساسا للتعايش بين الأمم والشعوب والقبائل، فإن بغيابه تنحرف البشرية في الهاوية، من هنا فإن الإسلام يدعو إلى التعارف والتسامح والعفو والصفح والتواصل، ولعله من نافلة القول أن أمبراطورية كانم برنو والخلافة العثمانية حظيتا بتواصل حضاري فريد من نوعه، وتوافق في العلاقات الإنسانية الإسلامية، من هنا فإن الورقة تناقش بعد المقدمة ثلاثة مباحث، الأول حول دخول الإسلام في إمبراطورية كانم برنو، والثاني اهتمام الخلافة العثمانية بنشر الدين الإسلامي، والمبحث الثالث يناقش التواصل الحضاري بين الإمبراطوريتين، ثم الخاتمة 

أولا: دخول الإسلام في أمبرطورية كانم برنو

يبدو أن أغلب الدراسات التي تناولت دخول الإسلام في أمبراطورية كانم برنو، تشير إلى أنه من الصعب تحديد الفترة الزمنية، التي حل بها الإسلام لبرنو، لدرجة قال فيها أحد الباحثين "لم يتفق المؤرخون على تاريخ محدد لدخول الإسلام إلى هذه الإمبراطورية، كما أنهم لم يتفقوا أيضا على شخصية من أدخله ونشر تعاليمه بين الناس في كانم برنو" وبما أن نيجيريا تعد من أقدم الدول التي حظيت بنور الإسلام منذ وقت مبكر، بفضل الممالك الإسلامية التي قامت في أرضها، مع إنها لم تكن بهذه التسمية، وأمبراطورية كانم برنو التي تعد جزءاً من أرض نيجيريا أعرق أمبراطورية عرفتها المنطقة، والتي امتدت حتى مشارف حدود ليبيا، وقد كان الصحابي الجليل عقبة بن نافع ممن جاب هذه المنطقة وعمل على نشر رسالة الإسلام فيها، أما بلاد هوسا فقد دخل إليها عن طريق الممالك التي تعاقبت على المنطقة الواقعة ضمن حدود ما يسمى بالسودان الغربي قبل مجيء الاستعمار، أو عن طريق القبائل العربية التي جابت منطقة كانم برنو، لأسباب مختلفة، بعضها لطلب الكلأ والماء، وبعضها للدعوة وبعضها للتجارة، وأول ملك أسلم من مملكة كانم هو الملك "أومي" أو "حومي" الذي ملك في أواخر القرن الحادي عشر، يقول الشيخ إبراهيم الصالح الحسيني الذي أرّخ لهذه المنطقة في سفر أسماه " تاريخ الإسلام وحياة العرب في إمبراطورية كانم برنو" ويدل مخطوط قديم حصلت عليه على أن الملك انتقل إلى الفرع الإسلامي حوالي 1087 وحتى 1097 للميلاد، وهو عام 480 للهجرة". أما دخول الإسلام المنطقة فلا شك أنه سابق لهذا التاريخ، والذي ثبت على وجه التحقيق هو أن من لقّن هذا الملك الشهادتين هو" محمد بن ماني" العربي

وهناك دعاة متفرقون لا يملكون حولا ولا طولا، إلا إيمانهم العميق بربهم".هذا وقد حمل الإسلام إليها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، من حملة الدعوة والمبشرين بالسنة المحمدية وبصفة أخص: أتباع إمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه، وخصوصا أولئك النفر الذين اشتهروا بالزهد والتنسك من السائرين على طريق الجنيد بن محمد القواريري البغدادي الذين عرفهم العامة باسم (السادة الصوفية) من هنا فإن هناك ثلاثة روايات تؤكد دخول الإسلام إلى بلاد السودان في فترة مبكرة جدا من تاريخ الإسلام ذاته وهي

رواية "ابن رسته" التي تؤكد بأن سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه هو أول من نشر الإسلام وأدخله إلى بلاد السودان، وكان ذلك في سنة (23هـ)

أما الرواية الثانية فهي رواية "أبو القاسم" فإنه يرى بأن فتح إفريقيا وبلاد السودان تم على يد سيدنا "عقبة بن نافع الفهري" رضي الله عنه وذلك سنة 43هـ

والرواية الثالثة والأخيرة للبكري، وهي قريبة من السابقة فقداعتماد سنة 46هـ

لذلك نجد أن البحاثة إبراهيم محمد قد وفّق بين جميع الروايات الثلاث، مبينا أن  الفارق الزمني بينها ليس بالكبير، فالرواية الأولى تمثل التاريخ المبكر لدخول الإسلام على يد "عمرو بن العاص" رضي الله عنه، والثانية والثالثة تشير إلى التوسع الكبير في انتشار الإسلام والدعوة إليه بقيادة "عقبة بن نافع الفهري" رضي الله عنه، وهو الأكثر اتساما بتاريخ دخول الإسلام المنطقة في وقت مبكر جدا، والذي يزيل الاشكال لدى المنصفين

وكانت انطلاقة حمل رسالة الإسلام إلى إفريقيا منبع حضاري ومرجع تجاري اجتماعي فأتاح للمناطق المختلفة صلات التزاوج والجوار والثقافة وتبادل السلع والمنافع وحمل اللغة العربية على الانتشار في أوسع نطاق، حيث أصبحت اللغة العربية وسيلة تحفظ التراث الإفريقي وكما حمل الدعاة إفريقيا الإسلام حملوا عادات وتقاليد حسنة في السلوك والمعاملة، واختلطوا مع السكان المحليين في مدنهم وقراهم، واستقروا بينهم وتزاوجوا معهم وبثوا فيهم الحضارة الإسلامية

ثانيا: اهتمام الخلافة العثمانية بنشر الدين الإسلامي

خلال فترة الإمبراطورية العثمانية أصبح الإسلام مرتكزا أساسيا للدولة في مجال الحياة الدينية والاجتماعية والثقافية والمادية وغير ذلك،  وتعبيرا عن احترام الأتراك للإسلام فقد اهتموا بالعربية اهتماما هائلا، ونتيجة لذلك تميزت عملية تدريس اللغة العربية في عهدي السلاجقة والدولة العثمانية مما جعل لها طابع المناهج الاتباعية التي تدرس فيها قواعد الصرف والنحو، بهدف فهم الآيات القرآنية فضلا عن ذلك، فإن إرسال الولاة ورجال الدين إلى البلاد العربية زمن الدولة العثمانية ساعد في تعليم اللغة العربية،

فقد أبدى العثمانيون احتراما كبيرا لشعائر دينهم الحنيف، وقيمه الحضارية الإنسانية، فقد عملوا جاهدين على تبليغ هذا الدين وتحبيبه إلى الناس بطرق شتى، فشيدوا على المثال المساجد العظيمة التي تهوي الأفئدة إليها وتنبعث فيها الراحة والطمانينة ، ثم أنهم اعتنوا اعتناء شديدا بالقائمين على هذه المساجد من مؤذنين ومقرئين يتمتعون بأصوات جميلة ندية تخشع لها القلوب، و يتقنون في الوقت نفسه المقامات والإيقاعات الصوتية كلها،

ومما يؤكد اهتمام الدولة العثمانية بالدين الإسلامي فإنه منذ تأسيس الخلافة العثمانية وجميع الكتب المقررة داخل المدارس العثمانية هي كتب عربية، ولذا فإن جميع الأنشطة والمنتجات العلمية والفكرية كانت تتم بهذه اللغة. ومن أعمالها الجبارة التي لا غبار فيها وكانت عملية عظيمة انشرح لها قلوب المسلمين، ما قام به  السلطان محمد الفاتح الذي فتح القسطنطينية، واستحق لقب الفاتح، واهتم بضريح الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري، الذي استشهد عند أسوار القسطنطينية في أولى محاولات المسلمين لفتحها في القرن الأول الهجري ثم دفن بها، وعندما جاء السلطان محمد الفاتح التمس ذلك من الشيخ شمس الدين وهو أحد الصالحين الذين رافقوا السلطان في حملته الموفقة، وكان قد بشره بقتح المدينة، ولما أرشده من موضع القبر، قال له السلطان : التمس منك يا مولانا أن تريني علامة أراها بعيني ويطمئن بذلك قلبي، فقال الشيخ أحفر في مقدار ذراعين يظهر لكم العلامة التي تريدونها، فلما حفروا ظهر رخام عليه خط عبراني، فقراه من يعرفه وفسره فإذا هو قبر أبي أيوب الأنصاري، فأمر السلطان محمد الفاتح بأن تبني قبة فوق القبر، وألحق بها جامعا وحجرات،

وبما أن الدين الإسلامي هو دين الدولة العثمانية فقد ازدات أهمية اللغة العربية يوما بعد يوم، في النواحي التجارية والسياحية والعلاقات الدولية، وهو ما يجرنا إلى العلاقات والتواصل الحضاري بين الأمبراطوريتين

وقد ذكر الدكتور عَلي محمد الصَّلاَّبي، في تمهيده لكتابه ( الدولة العُثمانية - عَوَامل النهُوض وأسباب السُّقوط،) أنه لم يتورع المؤرخون الأوروبيون واليهود والنصارى والعلمانيون الحاقدون بالهجوم على تاريخ الدولة العثمانية، فأستخدموا أساليب، الطعن والتشويه والتشكييك فيما قام به العثمانيون من خدمة للعقيدة والاسلام، وسار على هذا النهج الباطل أغلب المؤرخين العرب بشتى انتماءاتهم واتجاهاتهم، القومية، والعلمانية، وكذلك المؤرخون الأتراك الذين تأثروا بالتوجه العلماني الذي تزعمه مصطفى كمال، فكان من الطبيعي أن يقوموا بإدانة فترة الخلافة العثمانية، فوجدوا فيما كتبه النصارى واليهود ثروة ضخمة لدعم تحولهم القومي العلماني في تركيا بعد الحرب العالمية الأولى، كان الموقف من التاريخ العثماني بالنسبة للمؤرخ الأوربي بسبب تأثره بالفتوحات العظيمة التي حققها العثمانيون، وخصوصاً بعد أن سقطت عاصمة الدولة البيزنطية (القسطنطينية) وحولها العثمانيون دار إسلام واطلقوا عليها اسلام بول (أي دار الاسلام)، فتأثرت نفوس الأوربيين بنزعة الحقد والمرارة المورثة ضد الاسلام، فأنعكست تلك الأحقاد في كلامهم وافعالهم، وكتابتهم وحاول العثمانيون مواصلة السير لضم روما الى الدولة الاسلامية ومواصلة الجهاد حتى يخترقوا وسط اوروبا ويصلوا الى الاندلس لإنقاذ المسلمين فيها، وعاشت أوروبا في خوف وفزع وهلع ولم تهدأ قلوبهم إلا بوفاة السلطان محمد الفاتح

وكان زعماء الدين المسيحي من قساوسة ورهبان وملوك يغذون الشارع الأوروبي بالأحقاد والضغائن ضد الاسلام والمسلمين، وعمل رجال الدين المسيحي على حشد الأموال والمتطوعين لمهاجمة المسلمين (الكفرة على حد زعمهم) البرابرة، وكلما انتصر العثمانيون على هذه الحشود ازدادت موجة الكره والحقد على الاسلام وأهله، فأتهم زعماء المسيحيين العثمانيين بالقرصنة، والوحشية والهمجية، وعلقت تلك التهم في ذاكرة الأوروبيين

غير أن الدولة العثمانية بكل هذه الهجمات والتحديات التي واجهتها استمرت في نشر الإسلام وقد وفقها البارئ عزوجل في تحقيق الكثير من أهدافها،

ثانيا: التوافق والتواصل الحضاري بين الإمبراطوريتين في حماية الدين

تشترك الأمبراطوريتين في الاهتمام بالدين الإسلامي واللغة العربية، والتعليم والقيم النبيلة والأخلاق الفاضلة، والشعائر الدينية الحنيفة، وتتواصل من خلال التجارة والتبادل المعرفي والثقافي، وبما أن أمبراطورية كانم برنو تعرفت على الإسلام في القرن الأول الهجري، فإن الإسلام قد هيأ إلى المناطق الإفريقية التي دخلها أن تتصل بالحضارة الإسلامية في وقت مبكر، فقد أحدث هذا الدين الجديد نشاطا ثقافيا وحراكا اجتماعيا، ونشاطا اقتصاديا عظيما، فأتاح للمناطق المختلفة صلات التزواج والجوار وتبادل السلع والمنافع، فيما بينها

وكان للدولة العثمانية وجود وحضور في منطقة الشمال الإفريقي والمغرب العربي منذ سنة (1551م) وأما مصر فإن الوجود العثماني فيها كان أقدم من ذلك التاريخ، إذ يرجع إلى سنة (1516م)، واحتل الجيش العثماني أجزاء من فزان التي كانت خاضعة لحكم وسلطنة إمبراطورية كانم برنو، وهو ما أثار حفيظة أمبراطورية كانم برنو، من النوايا العثمانية، غير أن التواصل الحضاري والاجتماعي والثقافي والتجاري ما بين الشعوب الإفريقية وما جاورها من الدول كسر كل الحواجز والتوجهات السياسية في المنطقة، مما جعل الباب مفتوحا أمام الأمبراطوريتين للتعاون

ونتج عن ذلك تطور في التواصل الحضاري، وازدهرت حركة التبادل التجاري بين الإمبراطوريتين، وتوسعت إلى درجة التعاون والتفاهم، والناظر إلى الوثائق المتبادلة فيما بينهما يدرك مدى توسعها في حماية التجارة وتواصل الشعوب المتاخمة للصحراء والدول الإفريقية السمراء بالدولة العثمانية، فقد ذكر الباحث صلاح الدين حسن السوري، أن حركة التبادل التجاري بين الأمبراطوريتين توسع إلى التعاون فيما بينهم، وانتقل إلى الجوانب الثقافية والاجتماعية، وأحدثة هذه العلاقة حركة عمرانية تمثلت في مد الجسور عبر الصحراء، وإزدهار المدن والمراكز التجارية في أعماقها وتحقيق الأمن والطمانينة فيها، والأهم من ذلك كله العلاقات الإنسانية التي ظهرت في حسن التعامل وتبادل الثقة وحل المشاكل بالأساليب السلمية. الأمر الذي طمأن الحكام في أمبراطورية كانم برنو

ومن المعروف أن هذا التوسع يثمر في التعارف، ويسهم في إرثاء الحضارة الإسلامية في المنطقة، بل ويفتح باب التبادل والتواصل الاجتماعي، من خلال طمأنة حكام إمبراطورية كانم برنو الإسلامية بعدم غزوها أو الاستعلاء إلى أراضيها، وهو ما سعت إليه الدولة العثمانية لمعرفة أصالة الدين الإسلامي بالأمبراطورية، وفي رسائل متبادلة أكدت الجكومة العثمانية بأن ليس لها أطماع سياسية في برنو، إنما مقاصدها تقتصر على بناء جسور المحبة والصداقة بين البلدين المسلمين، كان هناك حرص على تنمية هذه العلاقات وتطويرها وتقويتها، فكانت السفارات والرسائل المتبادلة والمستمرة بين البلدين من رسائل السياسة، وبطبيعة الحال كانت تتضمن الاهتمام بالتجارة وتأمين الطرق وتيسير الأمور بما يعود نفعه على الطرفين، وكانت عبارات التعظيم والتفخيم وإظهار الاحترام تنمق بعناية، وتستخدم فيها المحسنات البديعية التي تميزها عن الرسائل الشخصية العادية والادارية الرسمية،

لقد توسع التبادل التجاري والتبادل الثقافي والتواصل الحضاري بين أمبراطورية كانم برنو والدول المجاورة لها، خاصة مع دولة مصر العربية " فالإسلام جاء إلى كانم برنو عبر بوابة مصر وجاء بالعلم والحضارة والثقافة وبشر ببزوغ فجر جديد في العلاقات الإنسانية خاصة بين شعب كانم برنو وشعب مصر وعمل على فتح قنوات الاتصال أمام شعب كانم برنو على الحضارة الإسلامية المصرية التي استفاد منها كثيرا في تطوير حياته العلمية والثقافية" وهكذا جميع دول الشمال الإفريقي ومع دول الخلافة العثمانية، التي أظهرت نواياها في التعاون والتبادل بينهما

ففي إحدى الوثائق المؤرخة 27 شعبان سنة 1286، صدر قرار مجلس إدارة الولاية يؤكد أهمية التجارة بين الولاية وبرنو، ويقرر رصد مبلغ لإرسال هدية مناسبة صدرت فيها إرادة سلطانية لحاكمها عمر الكانمي، وإن يقوم بحمل الرسالة والهدية شخص ذو اعتبار يحمل لقبا شرفيا، وتم ذلك بالفعل، والرسالة تحمل تاريخ 2 رمضان سنة 1286، وكانت مفعمة بعبارات التبجيل والتعظيم والاشادة بفضل عمر الكانمي ومكانته، وكانت تتضمن أيضا الاهتمام بالتجارة وتنميتها وتأمين طرقها وضمان أمنها، ويضيف الدكتور صلاح الدين السوري، أن سعيا من الطرفين في الحفاظ على هذه العلاقات الطيبة في السنوات اللاحقة، ففي رسالة من والي طرابلس أحمد باشا مؤرخة في 8 محرم سنة 1300 إلى حاكم برنو الشيخ أبي بكر بن عمر الكانمي يفيده بوصول كتابه وهديته إلى السلطان عبد المجيد الثاني، ويعبر فيها عن شكر السلطان وامتنانه وإشادته بالروابط الطيبة وحسن الجوار والتضامن بين المسلمين، وأهم ما في الرسالة التأكيد على ضرورة الاهتمام بالتجارة وحمايتها وتسهيل أمرها

الخاتمة

لقد تناول الباحث في هذه السطور التواصل والعلاقة الوطيدة بين الأمبراطوريتين، ومدى تأصيلهما وتعاونهما في تسهيل الحركة التجارية وتبادل البضائع وانتقال السكان من منطقة إلى أخرى، فقد فتح هذا التواصل أبعاد اجتماعية فريدة من نوعها، حيث سمح بالتزاوج والاندماج في سكان الإمبراطوريتين، حيث أننا نجد في واقع المجتمع البرناوي إلى هذه اللحظة تأثر واضح لتلك العلاقة، فقد تجد حي بأكمله اسمها (فزان) في وسط مدينة ميدغري، بولاية برنو بنيجيريا، وهو أيضا اسم لمنطقة كبيرة في الجنوب الليبي، مما يوحي بانتقال مجموعة من الأسر العربية الليبية إلى الاستيطان في هذا الحي في برنو، ولقب الحي باسم هذه العائلات، والتي لها بقايا إلى الآن في برنو، واندمج الكثير منهم في البيئة، فأصبحوا من أبناء نيجيريا، يحملون اسمهما وهويتها وساهموا في عملية البناء والتطوير في المجتمع

إن هذا التواصل الحضاري بين الأمبراطورية العثمانية وإمبراطورية كانم برنو، يؤكد مدى إرساء دعائم المحبة والصداقة، بل أثمر هذا التواصل في علاقات سياسية متينة وساهم في حل المشاكل بالوسائل السلمية، كما جلب فوائد ومصالح اقتصادية وكنوز معرفية بين الدوليتين، من هنا فإنها تجربة فريدة من نوعها ومليئة بإنجازاتها. فكان الحديث عن ثلاثة نقاط أساسية: الأولى حول الإسلام في إمبراطورية كانم برنو، والثانية حول مكانة الإسلام عند الأتراك، والثالثة حول التواصل الحضاري بين الأمبرطورية والخلافة العثمانية، والله الموفق

المراجع والمصادر

إبك، محمد سليم، لماذ يتعلم الأتراك اللغة العربية؟ أعمال المؤتمر الدولي للغة العربية، بدبي، الامارات العربية المتحدة، 2015م، المجلد الخامس، ص 560

افتتاحية مجلة كلية الدعوة الإسلامية، مجلة إسلامية ثقافية جامعة محكمة، تصدر سنويا، العدد الثاني عشر 1995م، طرابلس ليبيا، ص 7 وما بعدها

باشا الدكتور حسن، موسوعة العمارة والآثار والفنون الإسلامية ، شركة أوراق شرقية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان 1999م، ص 67

حسن، إبراهيم محمد، مساهمة مدارس العلم  في نشر الثقافة الإسلامية في برنو، في الفترة ما بين 1382-1432هجرية الموافق 1960-2010 ميلادية، رسالة تكميلية قدّمت لنيل درجة (الدكتوراه) في الدراسات الإسلامية، جامعة بايرو كنو، نيجيريا 2013م ص 22

الحسناوي،حبيب وداعة، الحج وأثره في دعو الصلات العربية الإفريقية ودور فزان في تسهيل قوافل حجاج السودان الأوسط حتى القرن الثامن الهجري، منشورات كلية الدعوة الإسلامية،طرابلس ليبيا 1999م، ص84

الحسناوي، حبيب وداعه، الحج وأثره في دعم الصلات العربية الإفريقية ودور فزان في تسهيل قوافل حجاج السودان الأوسط حتى القرن الثامن الهجري، أعمال ندوة التواصل الثقافي الاجتماعي، منشورات كلية الدعوة الإسلامية ليبيا 1998م، ص 84

 الحسيني، الشيخ إبراهيم صالح النوى، التكفير أخطر بدعة تهدد السلام والوحدة بين المسلمين في نيجيريا، مطبعة النهار ، القاهرة ط 4 1987م، ص3 وما بعدها

الحسيني، الشيخ الشريف إبراهيم صالح، تاريخ الإسلام وحياة العرب في امبراطورية كانم برنو، شركة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي وأولاده، القاهرة 1976م . ص74

الحسيني، تاريخ الإسلام وحياة العرب في امبراطورية كانم برنو، مصدر سابق، ،صـ102

الدكتور عَلي محمد محمد الصَّلاَّبي، الدولة العُثمانية - عَوَامل النهُوض وأسباب السُّقوط، الناشر: دار التوزيع والنشر الإسلامية، مصر، الطبعة: الأولى، 1421 هـ - 2001م، ص 15. وما بعدها

الزيادي محمد فتح الله، ظاهرة انتشار الإسلام وموقف بعض المستشرقين منها، المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، طرابلس، د.س.ن.ص 222

 السوري / مصدر سابق ، ص 206

السوري، صلاح الدين حسن، العلاقات بين ليبيا وشعوب الصحراء في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين من خلال بعض الوثائق العثمانية، أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء، تنظيم كلية الدعوة الإسلامية بطرابلس وكلية الآداب، بتطوان – المغرب، منشورات كلية الدعوة الإسلامية ، طرابلس ليبيا 1999 م، ص 206

السوري، مصدر سابق، ص 207

شنل، جاهد، مرة أخرى، قضيتنا اللغوية مساءلة فلسفية للنقاشات التي دارت حول استخدام المصطلحات العربية التركية في تركيا، آواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن القرن العشرين، المؤتمر الدولي للغة العربية دبي، الامارات العربية المتحدة، المجلد الثاني عشر، ص 529 وما بعدها

صواش، نور الدين ، من أوصاف الإمام العثماني، حراء مجلة علمية فكرية ثقافية، تصدر كل شهرين من اسطنبول، تركيا العدد 29 السنة السابعة – مارس-أبريل 2012 م ص 62

طاهر خان أيدين، المشكلات التي تواجه تعليم اللغة العربية في تركيا، كتاب المؤتمر الدولي للغة العربية مرجع سابق ، المجلد السادس، ص 498

محمد إبراهيم ، مصدر سابق ، ص 111

محمد إبراهيم الإسلام والحركة العلمية في أمبراطوريةكانم برنو، دار الأمة لوكالة المطبوعات – كانو نيجيريا 2009 م، ص 43

محمد إبراهيم، الإسلام والحركة العلمية في أمبراطوريةكانم برنو، دار الأمة لوكالة المطبوعات – كانو نيجيريا 2009 م،  ص 71

محمد، إبراهيم، الإسلام والحركة العلمية في أمبراطوريةكانم برنو، دار الأمة لوكالة المطبوعات – كانو نيجيريا 2009 م، ، ص 53


العلم النافع

ثمة فروق جوهرية بين مصطلحات ثلاثة قد تتقارب حروفها ومعانيها: العالِم، والعارف، والعرفان

فالعالم هو كل صاحب علم ظاهري، أو رجل يحمل «العلوم الكتابية»، أما العارف فهو شخص ذو علم وحكمة وإطلاع على الأسرار الكامنة وراء العلم بتجلياته الإلهية

بينما العرفان هو تلك الحالة أو الدرجة التي يصل إليها العارف بعلمه وتقواه، بعقله وقلبه، حين تكون العلوم كالبذور التي تحمل الخير والبركة والنماء، وتوضع في التربة الصالحة، وتتفاعل مع البيئة الصالحة، فتنمو وتكبر، وتتكاثر وتنتج، ويعم خيرها، فكما أن هذه الحبوب لا تخرج أسرارها المودعة فيها إلا حينما تتفاعل مع الكون، كذلك العلم

والعلم نافع بطبعه، مفيد لأهله وللناس شريطة أن يستخدم بالأسلوب الصحيح، والطريقة المثلى في استخدام العلم هي أن يتجذَّر هذا العلم في أعماق روحك وقلبك، كما تفعل البذور في التربة؛ حينها يحصل النفع بالعلم في الدنيا والآخرة، ويستطيع الإنسان أن يوجه الطاقة الخيرية في «العلم النافع» لسعادة البشرية

ومن المعاني الدقيقة لتفادي الخلل البشري في استخدام العلم وتوجيهه ما قاله العلامة «ماهر عز» رحمه الله عندما ذكر أن الإرشاد المعنوي هو الذي يمكن من خلاله تجنب الزلل في تحصيل العلم بالعقل وحده دون القلب؛ يقول

«إني موقن بأن المعرفة الحقة لن تصل إليها إلا من خلال أهلها تعليمًا، وإرشادًا، وتربيةً، وتوجيهًا، مع سعيك الدؤوب في التحصيل وجمع كل شاردة وواردة تستطيع الحصول عليها؛ لذا فإنني بمجرد أن تلقيت إشارة قلبية من تجليات الشيخ رمضان أوغلو للعروج إلى سماء المعرفة، فقد ربطت إرادتي به، وأسلمت قيادي له

ودرجة «المعرفة» التي يصل إليها كبار المتصوفة، والتي لا يمكن الوصول إليها إلا بالرياضات الروحانية والتربية المعنوية، هي التي تنتقل بمدارك الإنسان إلى آفاق أرحب مما يدركه العلم الظاهري، وتنجو بروحه أيضًا من ذلك الغرور والكبر مهما بلغ علمه، لأنه حينها يدرك مدى عجزه، وهو غارق بفكره في هذا العالم اللانهائي من الدهشة بالحقائق والمعارف بالغة التعقيد، حينها يدرك أن الحواس والمشاهدة الظاهرة لا يمكن وحدها أن تحصل على المعرفة؛ بل بإدراك الحكمة والأسرار وراء العلوم والمخلوقات، فالعلم الحقيقي هو أن ندرك حل لغز هذا النظام الكوني الكبير، وما وراءه من الأسرار الإلهية الكبرى

وهناك حكاية ذات مغزى ومدلول جوهري، يرويها لنا مولانا جلال الدين الرومي، يوضح بها أهمية «العلم النافع»، والمعرفة الحقة المنجية يوم الدين والموصلة للسعادة الأبدية في الدنيا والآخرة، والتي من دونها يكون عمر الإنسان وعلمُه وسعيه هباءً منثورًا، تقول الحكاية

كان أحد علماء النحو يركب ذات يوم سفينة، وأثناء سفرها في عرض البحر كان العالِم المغرور بعلمه يجالس صاحب السفينة، ويسأله بين الحين والآخر أسئلة معجزة ما كان لدى صاحب السفينة من جواب سوى كلمة (لا أدري)، بينما العالم النحوي تزيده هذه الإجابة نشوة بعلمه، واستهزاءً بصاحب السفينة، وحينها قال النحوي للرجل: يا للأسف!! لقد أضعت نصف عمرك بلا طائل بسبب جهلك

جرحت تلك الكلمات الغليظة مشاعر صاحب السفينة، لكنه إن فَقَد العلم فلم يفقد الأخلاق، وإن كُسِر قلبه بهذا التحقير فلم تُكسَر روحُه بالنزول إلى درك رد السفاهة؛ بل صمت، ولم يرد على كلمات وسلوكيات هذا المغتر بعلمه

ثم هبَّت عاصفة هيجت الأمواج، وتلاعبت بالسفينة، وأدخلتها في دوامة الغرق، وجعلت الجميع يوقنون بالهلاك، وهنا ذهب صاحب السفينة ليطمئن على العالم النحوي، فسأله: يا سيدي، هل تعرف السباحة؟

وهنا تلعثم النحوي الخائف الجاهل بالسباحة، وقال: لا، لا أعرف

وكان الرد الحكيم من صاحب السفينة

«يا أستاذنا، إذا كان نصف عمري قد ضاع جهلاً لأني لم أتعلم النحو، فإن عمرك كله سيضيع الآن مع هذه السفينة في تلك الدوامة لأنك لم تتعلم السباحة، أما كنت تدري أيها النحوي أن علم السباحة هو أهم وأنفع من علم النحو في هذا البحر؟»

والنحو هنا رمز للعلم الظاهري العقلي الدنيوي، أما السباحة فهي رمز للعلم الباطني القلبي المنقذ، الذي يلبيك حينما تستدعيه، ويجيبك عندما تناديه، وينقذك عندما تحتاج إليه في الدنيا والآخرة، علم ينفع روحك وبدنك، ويوصلك إلى رضا الله تعالى عبر العمل الصالح والإيمان الكامل

وهذه السفينة المقبلة على الغرق هي نفسها الجسد الفاني المقبل على الموت بعد الدخول في دوامة الحياة ومعترك الأجل، وحينما تأتي الساعة الحاسمة تتخلى عنك حظوظ الدنيا التي اتخذتها زينة وتفاخرًا، ولا تنجيك علومك التي تعلمتها لتماري بها السفهاء، وتجاري بها العلماء، وتصرف بها وجوه الناس إليك، لا تنفعك هذه العلوم التي تعلمتها للناس، لا لله تعالى؛ بل حتى لم تتعلمها لنفسك، فتجيب عن أسئلتك الحائرة، وتقدم لك الإجابات الشافية، وترتقي بك من درجة العالم إلى سماء درجة العارف، ولم تُخرجها من خزائن عقلك لتغرسها في أرض قلبك، فتثبت وتورق وتتفيأ ظلالها في كنف الله تعالى ورضاه

 فما سبيل النجاة بهذه العلوم؟

السبيل هو التوجه بهذه العلوم إلى الله تعالى، والتخلص من كل مراد سواه، ومن كل رجاء عداه، وجعل العلم وسيلة لنيل رضاه، فالمرء الذي يتفاخر بالعلم، والنفس التي تتباهى بالمعرفة، ستوضع في التراب بعد أن تغرق السفينة، ولن يبقى منك سوى «قلب سليم» يقبل على الله تعالى حاملاً علمًا نافعًا، يستطيع وحده أن يمخر عباب المحيط، ناجيًا من كل ريح عاتية أو موجة عالية، لا تثقله نفسه فتهوي به وبعلمه إلى القاع، ولا تغويه شهواته فتجره وتدور به في دوامة البحر، إنما هو علم يتجرد به لله وحده سبحانه، ولا يعطي منه شيئا لنفسه ولا لشهوات نفسه، فهو يحارب هذه الشهوات من الغرور والكبر والرغبات حتى يقتلها، ليفوز بالحياة الأبدية الخالصة من الشهوات، المتخلصة من الرغبات، الصاعدة إلى أعلى الجنات، الناجية من كل الملمات

وهذا هو معنى النصيحة الصوفية القائلة

«موتوا قبل أن تموتوا». أي لتمت منكم النفوس والشهوات، قبل أن تموت منكم الأبدان وتنكسر الأرواح

والسبيل إلى ذلك هو ما قاله أبو حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما قال

«حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا»

ليكون الإنسان دائم المراقبة لنفسه، شديد الحرص على كل تحركاتها وسكناتها، ممسكًا بكل قوة بلجامها، فلا تدفعه لشهوة، ولا تجره لرغبة، ولا توقعه في آفة

ويروي لنا القاضي أبو بكر بن العربي الأندلسي هذا المشهد، فيقول

رأيت الإمام الغزالي في البرية، وعليه مرقعة، وبيده عكاز وركوة، فقلت له: «يا إمام، أليس التدريس في بغداد أفضل من هذا؟» فنظر إليَّ شزرًا، وقال: «لما بزغ بدر السعادة في فلك الإرادة، وجنحت شمس العقول إلى مغرب الوصول

تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل          وعدت إلى مصحوب أول منزل

ونادت بي الأشواق مهلًا فهذه              منازل من تهوى رويدك فانزل

غزلت لهم غزلًا دقيقًا فلما لم أجد           لغزلي نسـاجًا كســرتُ مِغزلي

هذا العالم الفذ بعد طول علم ومجاهدة أدرك الغاية، وعرف الحقيقة، ورأى بعين البصيرة، فعرف قيمة هذه الدنيا الحقيرة، وعلم أن ما كان فيه من العلم ليس علمًا؛ بل العلم الحقيقي والأثر الأبقى والمنقذ الوحيد وطريق السعادة الأوحد إنما هو العلم الذي يزيدك بالله معرفة، ويملأ قلبك إيمانًا به وشوقًا إليه، فتؤدي العمل الصالح بروحك قبل جسدك

والعلم الحق هو الذي يحملك على أن تدرك ما عليك من مسؤوليات يوجبها عليك هذا العلم: المسؤولية العقلية والوجدانية والقلبية، حتى لا يفلت زمام العلم من يديك، ويصبح قوة جامحة لا يُعلم لها توجه، ولا يُدرك لها قرار، وينقلب نفعه ضررًا بالغًا، وكأنه قوة نووية في يد مخرب؛ وبدلًا من أن تنتج طاقة تدير عجلة الإنتاج تصير خطرًا يدمر كل أخضر ويابس

ولا تتحقق الاستفادة والنفع من العلوم، ولا يتم الانتقال من مرحلة النظرية إلى مرحلة التطبيق إلا بتوجيه العلوم من مجرد علم إلى «علم نافع»، متصل بالله تعالى، نابع من القلب، مفعم بالأخلاق

وها هي العلوم المجردة من الأخلاق تهبط بأصحابها من السماء إلى الأرض، ومن نور الإيمان إلى نار الجاهلية، فعلم القانون حين يُسلَب صاحبه الأخلاق يصير جلادًا قاسيًا لا قاضيًا عادلاً، وعلم الطب حين يُسلَب صاحبه الرحمة والرقة يصير قصَّابًا لا ملاك رحمة، وذلك راعٍ يسوس أمور الناس بسياسته المحنكة، لكنه حين يُسلب الرفق يشقُّ على قومه، وأصحاب العلم هؤلاء أشد ضررًا من الجهلاء مسلوبي العقول

 ولكم هو جميل كلام يونس إمْرَه حين قال

تحصيل العلم له غاية

هي معرفة العبد خالقه في النهاية

إن قرأت ولم تعرف البارئ

فجهدك إذًا ضاع هباء

فالعلم القلبي هو العلم النافع الذي يرتقي بأصحابه وبالدنيا كلها في الدرجات المادية والمعنوية

ودعنا نتساءل عن النفع المادي من العلم الظاهري المجرد عن المعنويات إذا كان يلفه الكبر والغرور، ويقود أصحابه إلى درك الشرور، فأي نفع يُرجى منه مهما كان ماديًا أو معنويًا، نفعه المعنوي انكسار للقلوب، كما فعل مع صاحب السفينة، ونفعه المادي دمار شامل كصاحب القنبلة النووية، لا نفع يُرجى منه مطلقًا

لذا؛ فإن البيان النبوي الرشيد، والمنطق المصطفوي السديد، والعبقرية المحمدية الفذة كان دعاؤها بالعلم النافع؛ إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم

 «اللّهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا، وعملًا متقبلًا» (ابن ماجه، إقامة الصلاة، 32)

 وفي هذا السياق نجد أن غاية العلم النافع الذي يكوِّن كُنه علم التصوف هي تزيين العبد بالزهد والتقوى والإحسان، ومن كان علمه على هذا النحو، صار علمه عندها معرفة، وصار صاحبه عارفًا

 ويقول مولانا جلال الدين الرومي

 «إن العلماء الذين يقتصرون على الظاهر فقط يعلمون دقائق وتفاصيل الهندسة، والفلك، والطب، والفلسفة، كل حسب مجاله، لكن علمهم هذا ما هو إلا علم بهذه الحياة الفانية التي تُزال بطرفة عين، وهو علم لا يُري الإنسانَ طريق المعراج الذي يتجاوز السماء السابعة

 «ولا يمكن للغافلين الذين تحكمهم أنفسهم أن يعلموا الطريق إلى الله تعالى، ولا المنازل في هذا الطريق، ولا يمكن إلا للعارفين من أهل القلوب أن يعرفوا علوم الطريق إلى الله سبحانه، ليس بعقولهم بل بقلوبهم»

فإذا ما اختلط العلم بالقلب، ونضج فيه، أدرك حقيقة الوجود وسره الأعظم، وحكمته الإلهية، وكان في وصال مع الحق سبحانه. وتنعَّم صاحبه بالتجليات والفيوضات الربانية، وسرى نورُ العلم من أذنيه وعقله إلى قلبه وسلوكه وروحه، فتحول العلم من صورة إلى سيرة، ومن فضول إلى فضيلة، ومن أوراق إلى أخلاق، ومن سطور وزبور إلى نور

 يقول الله تعالى في الآية الكريمة: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) (طه، 114)

 وهذه الزيادة هي التي ترفع من منزلة العبد في التقوى والخشية، فالله عزَّ وجل يقول

 (إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر، 28)

 ويقول نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم

«إنَّ أتقاكم وأعلمكم بالله أنا» (البخاري، الإيمان، 13؛ الأدب، 72)

 وعن يزيد بن سلمة الجعفي رضي الله عنه قال، قال يزيد بن سلمة

 يا رسول الله، إني قد سمعت منك حديثًا كثيرًا أخاف أن ينسيني أولَه آخرُه، فحدثني بكلمة تكون جماعًا، قال: «اتقِ الله فيما تعلم»  (الترمذي، العلم، 19/2683)

وقد لخص النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمات غاية العلم ووضح طريقه الأمثل

ويخاطب الإمام الغزالي قدس اللهُ سرَّه أولئك المشغولين بالعلوم الدنيوية المحضة، والذين يقضون عمرهم في «القيل والقال» متناسين ربهم عزَّ وجل، قائلًا

 «يا بني، عارٌ عليك، إن لم يوصلك الكلام، والمنطق، والبلاغة، والشعر، والصرف، والنحو، وما شابهها من العلوم إلى العرفان، ماذا جنيت في عمرك الذي وهبك إياه الله عزَّ وجل لكي تعبده فيه سوى أنك ضيَّعته؟!»

 إذًا، ما فائدة العلم الذي لا ينفع في إيصال العبد إلى الجنة، والنظر إلى جمال الله تعالى، لا بل يوصله إلى الخسران؟ وهل من الممكن أن نطلق اسم علم على العلوم التي تجعل من الإنسان شبيهًا بإبليس، وبلعم بن باعوراء، وقارون، وأولئك الذين «أضلهم الله على علم»، فكان العلمُ سببَ ضلالهم وهلاكهم، فلم يملأهم العلم نورًا؛ بل حشاهم غرورًا، حتى تطاول المخلوق الحقير على الخالق العزيز سبحانه، فأورثهم العلم جهلاً وحمقًا وهلاكًا، ولم يعطهم نورًا وهداية

 ويقول علماء الإسلام في ذلك

 «العلم هو الإدراك، ودون الإدراك لا يتحقق العلم، ومنتهى الإدراك هو معرفة الله عزَّ وجل، وبهذا تكون معرفة الله تعالى جوهر العلوم كلها، وبدرجة الاقتراب من هذه المعرفة تزداد قيمة هذه العلوم»

 ويقول مولانا جلال الدين الرومي

 «الإنسان البارع المتعلم إنسان جيد، لكن خذ العبرة مما حصل مع إبليس ولا تعطه قيمة كبيرة، لأن إبليس أيضًا كان لديه علم، فقد رأى خلق آدم من التراب، ورأى وجهه الخارجي، لكنه لم يرَ حقيقته»

«إن أكثر أهل الجنة هم أهل القلوب الصافية، والإيمان المحض، وكم أضل العقلُ أهلَ العلم، وكم ضلت أفهام أهل العقل، وكم زلت أقدام الفلاسفة، فَانجُ بنفسك أيها الإنسان من هذا التيه، وتخلص من هذه الأرزاء، واحظَ بتنزلات رحمات ربك في كل حين»

فالطريق إلى الحقيقة لا يكون بالعقل وحده، فالعقل سبيله تحليل ألغاز الكون، وكشف أسرار الخلق، وتتوقف مهمته وقدراته عند مجرد الكشف عن وجود هذه الأسرار، والوقوف على عتبة الاندهاش والتعجب، والاستسلام عند نقطة التسبيح بقدرة الخالق سبحانه أما تجاوز هذه العتبات، والولوج إلى باب الأسرار، وكشف الأستار، فإنه بالإيمان والعشق

فالعقل الذي تربى على منهاج الوحي الأمين بالقرآن والسنة، يوصلك إلى منتصف الطريق في الوصول إلى السر، ثم يأتي دور القلب ليكمل لك الطريق في كشف السر، وإدراك الحكمة من وراء الخلق

وهذا العقل مجرد باب يمكنك فقط استخدامه لينفتح لك على عالم الحقائق والأسرار، لأنه مجرد درجة ترتقي بها في الدين إلى الدرجات الظاهرية الأولى

أما الدخول إلى عالم الأسرار، والارتقاء في درجات الكمال، والوصول إلى «العرفان» فيكون بالعشق، كما قال مولانا جلال الدين الرومي في اجتياز هذه المراحل

 «اجعل العقل قربانًا أمام المصطفى صلى الله عليه وسلم»

فعندما تنتهي طاقة العقل، لا تستطيع إكمال المسيرة وبلوغ الغاية إلا بطاقة القلب، بالمدد الإلهي عبر الفيوضات والوجد، لتصل إلى الله الحق

وهذا هو طريق الأولياء، الذين عبروا بحر الوجود بالحب، واجتازوا إلى عالم الأسرار بالوجد، وتعالوا على دنيا الفناء والخراب بنشوة الإيمان، واحتضنتهم حالة الاستغراق والتفكر بنشوة العشق

فأولياء الله تعالى هم الذين ورثوا مهمة الأنبياء واضطلعوا بأعباء مهمة الرسالة، وواصلوا طريق المرسلين في هداية البشرية، وتربية النفوس، وتزكية الأخلاق، وتلك هي الغاية الأساسية التي أرادوها، والتي وصلت بهم إلى ذروة عالم الروحانية

وليست كل أحوال الأولياء كرامات، إنما هي علمٌ صار عرفانًا، وإيمانٌ ملأ القلبَ والروحَ فصار بصيرة ترى التجليات الإلهية في كل أرجاء الكون، عبر العشق الإلهي الذي تشربته خلايا قلوبهم

ويرى أولياء الله تعالى هذا العالم في إطار تجليات القدرة الإلهية، وبالبصيرة التي كانت نتيجة العشق الإلهي، ويطَّلعون على أسرار وحقائق الإنسان والحياة والكون

فإذا انحرف العلم عن مساره، وضل عن طريقه، ولم يتخذ سبيله في ينبوعه القلبي؛ صار في القلب شوكة لا وردة، وفي العقل ضلالاً وليس هدى، ولم يبصر عجائب المخلوقات والآيات التي يزخر بها الكون

 إن طعم الحياة يصير أكثر لذة وأعظم متعة لمن يفهم لغة الرياح والجبال والأنهار، ويتعلم من فنون الزهور والأشجار والطيور وحتى الوحوش والكواسر، ويحس بالفن الإلهي المبثوث في كل أرجاء الدنيا، فمن لم يدرك ذلك كله، أو شيئًا منه، فهو علامة على فراغ القلب وانعدام نضجه

 ويوجِّه سعدي شيرازي القلوبَ إلى الحكمة، ويدعو إلى العلم النافع بقوله

 «حتى أوراق الأشجار الخضراء هي ديوان للمعرفة في نظر الشخص الواعي، أفلا تبدي كل ذرة في هذا الوجود إبداع الفن الإلهي؟»

 إنَّ الكون معرِضٌ للتجليات التي تفيض من ينبوع الأسماء الإلهية، والإنسان هذا السر الغامض، ما هو إلا تجلٍ كاملٌ للأسماء الإلهية، فمن يرد الوصول إلى الكمال في الدنيا، عليه أن يكون صاحب قلب يحمل أحاسيس سامية، وقد كان الحسين بن منصور الحلَّاج حتى أثناء رجمه يبحث عن القلب الكامل

وكلُّ ذرة في هذا الكون تنقل لنا سلامًا وخبرًا جديدًا من الأسماء الإلهية في كل لحظة من لحظات العمر، فإذا لم تكن الأمورُ كلُّها، من ابتسامات الطفل الرضيع إلى خفقات جناحي الفراشة، ومن نغمات العندليب إلى ألوان الربيع وأريجه، تجلياتٍ للأسماء الإلهية، فماذا ستكون إذًا؟ وأعظم مظهر من مظاهر العلم النافع هو قراءة المرء كتابَ الكون والمخلوقات بعينَي قلبه، وإدراكه أن العالم ما هو إلا حِكم وعِبر وتجليات إلهية، إذ يقول المولى في كتابه الكريم

 (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ) (الدخان، 38)

 (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) (المؤمنون، 115)

وتهدينا الآيات إلى أن المخلوقات في الكون هي معجزات، وأن وراء الموجودات حِكَمٌ وأسرار، وأن الخلق كان لعبرة وعظة، وأن ذلك الإبداع كله موصل إلى المبدع سبحانه، وهذه المخلوقات بعظمتها دليلٌ على عظمة الخالق سبحانه، وأنها كلها تجليات للعظمة الإلهية. هذه العظمة تلفت حتى الأنظار العمياء، وتحرك القلوب الجامدة، فالأزهار الرقيقة بألوانها المبهجة وأريجها الزكي تبعث السرور والبهجة والبسمة في أشد الوجوه عبوسًا وأكثر القلوب غلظة

وجسم الإنسان الذي هو جُمَّاع لكل معجزات الخلق والكون، وأنموذج متفرد للدلالة على عظمة الخالق، عندما يقف أمامه الطبيب العالم، وينظر إليه من هذه الزاوية، زاوية الإبداع الإلهي، سيرى فيه كنزًا ضخمًا من كنوز الأسرار الربانية، عندها يدرك بالعلم النافع والنضج القلبي مقدار القدرة الإلهية، فينظر إلى مريضه بعين الشفقة والرحمة، لا بعين الكيمياء والعمل الروتيني

فما بالنا بقلب المؤمن وروحه، وما بالنا بصاحب العلم الباطني، كيف يكون إدراكه لهذه العظمة. أما إذا لم يصل الإنسان إلى هذا الإدراك، ولم يبلغ ذاك الأفق، فقد سقط في هاوية من النقص والعجز لا يجبرها شيء من المناصب العلمية والدنيوية، فأي قيمة دنيوية يمكن قياسها بالنضح القلبي والكمال الأخلاقي

ونفهم من كل ما سبق أن طريق العلم النافع يحتاج إلى التخلِّي والتحلِّي، التخلي عن خصال سلبية تصيب القلب والنفس مثل الرياء والتكبر والطمع والفخر وحب الرئاسة وغير ذلك

والتحلي بملء القلب بالصفات الإيمانية التي تحيي الروح بالخلق المحمدي العظيم كالتقوى والخشوع والرحمة والصبر والشكر والتواضع والقناعة والزهد والورع والتوكل على الله تعالى

 ويبيِّن الإمام الرباني المحيط الذي يزدهر فيه العلم النافع بقوله

 «أيها الإخوة المؤمنون، إن أول أمر ضروري لنا إنما هو تصحيح الاعتقاد بناءً على الكتاب والسنة، فأهل البدعة والضلالة يظنون أن عقائدهم وأحكامهم الباطلة توافق الكتاب والسنة، ولكن اعتقادهم في الواقع بعيد أشد البعد عن الحق والحقيقة»

وعليه؛ فإنه من الواجب معرفة أوامر الشرع ونواهيه، ومعرفة الأحكام الدينية ومراعاتها بدقة، والسير على خطى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم سنةً وسيرةً، والتخلق بخلق القرآن، وتطبيق ذلك كله في الواقع وترجمته إلى أعمال صالحة تحمل موافقة الشرع ومشاعر القلب، فتصل إلى الكمال

فلا تطبيق للأحكام الدينية، ولا طائل وراء تنفيذها، إذا لم يكن الاعتقاد سليمًا

ولا وصول إلى كمال الأخلاق وسمو المشاعر، إذا لم تراعَ أحكام الشرع

ولن تتحقق سلامة القلب وتزكية النفس وتطهير الروح دون عمل وجهاد

 فإذا تحقق تطهير القلب وتزكية النفس، وتحققت سلامة الاعتقاد وصلاح العلم والعمل، حينها يصل السلوك بالعبد إلى الكشف والوجد، فينال الفيوضات الإلهية، وحينها يصل العلم إلى درجة «العلم النافع»، ثم يصير معرفة بالله تعالى

 اللهم إنَّا نسألك علمًا نافعًا، وقلبًا خاشعًا، وعملًا متقبلًا

اللهم إنَّا نعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع

اللهم اجعلنا من عبادك الذين يعملون بعلمهم، واجعلنا يا رب من أولئك السعداء الذين وصلوا إلى العرفان، وارتقوا في معرفتك إلى الدرجات العلا


القدس مدينة الروح

عائشة قلتش

مدينة القدس... أولى القبلتين في الإسلام، وأول محطة مباركة في رحلة الإسراء والمعراج، وأول درجة من درجات الارتقاء إلى السماء. إنها المدينة التي لم تتمكن الأديان من تشاطرها، إنها الحرم الشريف الثالث بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة، إنها المدينة التي يُصعد منها إلى السماء. إنها القدس؛ تاريخ القرآن، وأرض الأنبياء من إبراهيم إلى يعقوب وموسى وعيسى، ومحط الأنبياء والأولياء وعشاق الحق والمتصوفين. في كل زاوية من زواياها تقريباً تطالعك ذكرى نبي من الأنبياء أو حاكم من الحكام، وكأنها كتاب حي يروي القصص والعبر. لقد تركت مدينة القدس أثرًا عميقًا في قلوبنا

سألت أم المؤمنين ميمونة النبي ﷺ عن القدس قائلة: "يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس؟"، فقال: "أرض المحشر والمنشر، ائتوه فصلوا فيه، فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره."، قالت: "أرأيت إن لم أستطع أن أتحمل إليه؟"، قال: "فتهدي له زيتاً يسرج فيه فمن فعل فهو كمن أتاه

وكما نعلم فإن النبي ﷺ عندما هاجر إلى المدينة المنورة كان يصلي نحو بيت المقدس. لقد دل ﷺ مسلمي اليوم على أن الهدف هناك. وهكذا فإننا نأخذ هذه الإشارات النبوية بعين الاعتبار ونطيع هذه الوصايا، ونطلب الرحلة إلى القدس ـ رغم المخاطر الأمنية في المنطقة ـ لنكون شهوداً على التاريخ ونسبر أغوار هذه البلدة

إن لقاء هذا البلد الذي تتحرق أفئدتنا شوقاً لرؤياه يثير حماسنا، فالصلاة في هذا المكان المبارك الذي صلى فيه رسول الله ﷺ وجميع الأنبياء، ورؤية المكان الذي ارتقى منه عليه السلام في رحلة الإسراء والمعراج، والنظر إلى الصخرة المعلقة التي سعت وراء النبي ﷺ بعشق وشغف والتي قيل عنها إن الصخرة التي سلم عليها رسول الله ليلة المعراج، وزيارة مسجد البراق الذي ربط فيه نبينا عليه السلام "البراق" عندما عرج من مكة بمعجزة الإسراء، كل ذلك يجعل رحلتنا ذات قيمة كبيرة ويقربنا من المولى عز وجل، إن المسجد الأقصى يحيط بنا من كل جانب، ويجعلنا بحق ننسى وحدتنا

نتوجه في طريقنا إلى مدينة الخليل... تلك المدينة المباركة، إنها مدينة إبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء خليل الله تعالى، وزوجته أمنا سارة. أثناء دعوتهم لنا إلى الدخول تؤلف معرفتنا السابقة بين قلوبنا، وتزداد قيمة دعائنا "صلي وبارك" ونحن نلهج به بألسنتنا. إلى الداخل قليلاً، النبي إسحاق عليه السلام وزوجته "رفقة"... نجثوا على ركبنا بقربهما. نذهب في رحلة إلى التاريخ والقصص ونذكر أنفسنا مرة أخرى بهم. تهل البشرى أن في الداخل مقام يوسف ويعقوب عليهما السلام. لكن وفي لحظة تحوِّلُ القيود المفروضة على المكان القريب إلى بعيد... السلام عليكم أيها الأنبياء وعلى من سار على نهجكم... نقولها مخلفين وراءنا جزءاً من أرواحنا ونغادر وعيوننا تفيض دمعاً ذلك المكان الذي تفوح منه رائحة الأنبياء

تعظنا بحيرة لوط التي يعد سطحها أعمق نقطة في العالم ولا يعيش فيها أي نوع من الأحياء، وتدفعنا إلى التفكر في كيفية هلاك قوم يوماً ما في التاريخ الغابر

في طريقنا إلى القدس يستقبلنا بحرارة مقام النبي موسى عليه السلام على مشارف مدينة أريحا. إنه النبي موسى الذي عرفناه وتعرفنا عليه من بعيد والذي قرأنا عنه مطولاً في القرآن الكريم وعن نضاله من أجل خلاص قومه، من غطاء ضريح موسى عليه السلام تفوح رائحة الكعبة المشرفة وتحرك أفئدتنا. صوت يرتفع من المآذن ليتسلل إلى قلوبنا، إنه دليل السكينة التي تغمر ـ منذ أمد بعيد ـ جسد موسى عليه السلام المنهك. السلام عليك يا موسى، نقولها ونترك قطعة أخرى من روحنا هناك

في حارة اليهود المبنية من الحجارة نسير في أزقة ضيقة ومن حولنا يهود ومسيحيون لنصل إلى مقام داوود عليه السلام. في هذا المكان الذي يحمل الكثير من البصمات العثمانية ترتجف أرواحنا برداً لرؤية الطقوس الدينية المقامة فيه. في هذا المكان الذي بات كنيساً يهودياً نلتجئ جميعاً إلى المحراب فهو ما تبقى لنا من آثارنا هناك. "لقد اشتاقت هذه الحجارة إلى الآيات القرآنية!" نقولها ونبعث الحياة في محراب يئن بتلاوة آيات من مطلع سورة البقرة. السلام عليك يا داوود، نودع المكان تاركين فيه جزءاً آخر من أرواحنا. ليس باليد حيلة

نسير ليلاً وتأخذنا خطواتنا نحو معراجنا نحن. المآذن تصدح بآيات قرآنية تملأ سماء القدس. صوت الأذان الحزين الباحث عن جيرانه القريبين وعن الازدحام القديم يحاول أن يطغى بقوة على صوت أجراس تُسمع بين الفينة والأخرى ليكون دواء يداوي شعب فلسطين

يتملكنا الغضب ونحن ندخل تحت رقابة الشرطة إلى أماكن العبادة في القدس التي ظلت أربعة قرون في كنف العثمانيين ويتحول هذا الغضب في داخلنا إلى ألم. لكننا نشعر رغم كل شيء بسكينة وطمأنينة عميقتين في حديقة المسجد الواسعة، وتغمرنا السعادة عندما نرى الفرحة تعلو وجوه الفلسطينيين لدى سماعهم أننا قادمون من تركيا، إن سعادتهم ومجاملتهم لنا وفرحتنا بأن نجعلهم لا يشعرون بالوحدة تخلف في أنفسنا آثاراً عميقة. ومع حلول الظلام ونحن في أولى القبلتين وثاني الحرمين وأحد الأماكن الموصى بزيارتها والتي يعادل أجر ركعة واحدة فيها أجر ألف ركعة تنتشي أرواحنا وتشعر بالانشراح ببشرى النبي ﷺ بأن من تعبد في الأقصى كمن تعبد في السماء الأولى

جبل الزيتون الشاهد على كل شيء هو من يحتضن مدينة القدس على سعتها وهو من يعزيها، يقف شامخاً من أجل السلام والبركة، وكي لا يحول النعمة التي يحملها إلى عبء... إنه يحتضن اثنين من أحباء الله أضفيا جمالاً على العصور وأضاءا دربنا: سلمان الفارسي ورابعة العدوية، اهتديا بنور الله وأرشدا الآخرين إلى الدرب. جبل الزيتون يعطينا الأمل فنمد أغصان الزيتون إلى الإنسانية جمعاء وألسنتنا تلهج بالدعاء

أليس الدخول إلى القدس يعني الدخول إلى مكان يحتوي كل شيء؟ بمجموعات تضم أشخاصاً من الأديان السماوية الثلاث وعلى مشارف جبل الزيتون نغوص في أعماق رحلة تاريخية في المدينة التي تحمل على ظهرها المسجد الأقصى حيث عرج النبي عليه السلام إلى السماء


النظافة واللطافة والرأفة والمرحمة في حياة نبي الرحمة

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس طبعًا وألطفَهم سلوكًا وأحمدَهم خُلقًا، وذلك جليٌّ في كثير من روايات الصحابة الكرام رضوان الله عليهم. فلم تكن الابتسامة تفارق وجهه النيِّر عليه الصلاة والسلام

وكان عليه الصلاة والسلام ذا قلب رقيق مرهف، حتى إنه رأى يومًا رجلًا يبصق على الأرض، فاحمرَّ وجهه صلى الله عليه وسلم لما رأى، فسارعَ الصحابة وغطوا البصاق، ثم أكمل رسول الله صلى الله عليه وسلم طريقه

وقد كانت نظافة لباس رسول الله صلى الله عليه وسلم تشير إلى قيمة المسلم العظيمة عند الله سبحانه تعالى، وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبس البياض وتكفين الموتى به، لأنه أطهر وأطيب

وأمر عليه الصلاة والسلام بإصلاح اللباس وتسويته، ولم يكن يُسرُّ بالثياب الرثَّة، ولم يستحسن أن يرى الرجلَ أشعثَ الشعر واللحية، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم في المسجد، فدخل رجل ثائر الرأس واللحية، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده- كأنه يعني إصلاح شعر رأسه ولحيته- ففعل الرجل، ثم رجع فقال النبي صلى الله عليه وسلم

«أليس هذا خيرًا من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان»

وعن جابر بن عبد الله ، قال

«أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى رجلًا شعثًا قد تفرق شعره فقال: "أما كان يجد هذا ما يُسكِّن به شعره"، ورأى رجلًا آخر وعليه ثياب وسخة، فقال: "أما كان هذا يجد ماءً يغسل به ثوبه"». فكان ذلك تنبيهًا منه صلى الله عليه وسلم إلى ضرورة نظافة المسلم وحسن مظهره

ومما يعرض الأحوال الحسنة الرائعة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حدَّثنا به أبو قرصافة رضي الله عنه حين قال

«لما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأمي وخالتي، ورجعنا من عنده منصرفين، قالت لي أمي وخالتي: يا بني ما رأينا مثل هذا الرجل أحسن منه وجهًا، ولا أنقى ثوبًا، ولا ألين كلامًا، ورأينا كأن النور يخرج من فيه»

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن رجلًا نادى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثًا، كل ذلك يرد عليه: «لبيك لبيك». فقابلَ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فظاظةَ الرجل باللطافة ولينِ القول

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزعج كثيرًا من رثاثة الثياب للطافته عليه الصلاة والسلام

فعن أبي الأحوص عن أبيه، قال

«أتيت النبي عليه الصلاة والسلام في ثوب دُونٍ، فقال: "ألك مال؟" قلت: نعم، قال:"من أي المال؟" قلت: قد آتاني الله من الإبل والغنم والخيل والرقيق، قال: "فإذا آتاك الله مالًا فليرَ أثر نعمة الله عليك، وكرامته»

وقال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر

«إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده»

لكن من الواجب المحافظة على الاعتدال أثناء استعمال النِعم التي أكرمنا بها الله سبحانه وتعالى. أي لا بد من الحذر من الانجرار إلى الإفراط في الإسراف باسم الحذر من التفريط في الشح. فالله سبحانه وتعالى يقول في الآية الكريمة

{إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ}

فهذي الحقائق تُجلِي للبصائر أن كُلًّا من نظافة الظاهر وجماله بصورة معتدلة، وطهارة القلب ونقاوته يُتمِّم بعضه بعضًا في الإسلام

ويجب على كل مسلم يلبس لباسًا جديدًا جميلًا أن يدعو مثل دعاء رسول الله عليه الصلاة والسلام مدركًا أن النعم كلها لطف وكرم من عند الله سبحانه وتعالى كي لا يقع في الغرور والكِبْر. فحينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس الجديد يدعو قائلًا

«اللهم لك الحمد أنت كسوتَنيه، أسألك من خيره وخير ما صُنِعَ له، وأعوذ بك من شرِّه وشرِّ ما صُنِعَ له»

فيبيِّن لنا وجوب استعمال كل نعمة في سبيل رضا الله سبحانه وتعالى

وكان عليه الصلاة والسلام يحذِّر أمته من نار جهنم، إذ بيَّنَ أن الذين يلبسون الجديد ويخالجهم شعور الغرور والكِبر والعُجب سيكون لباسهم ذلك حسرة وندامة

ولم يفُهْ رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمة فاحشة بذيئة، وكان يقول

«ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله ليبغض الفاحش البذيء»

*

وقد سابب أبو ذر الغفاري بلالًا الحبشي ، فعيَّره بأمه قائلًا:  «يا ابن السوداء»، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم

«يا أبا ذر أعيَّرته بأمه؟ إنك امرؤٌ فيك جاهلية»

فألقى أبو ذر رضي الله عنه نفسه  على الأرض، ثم وضع خده على التراب، وقال: «والله لا أرفع خدي من التراب حتى يطَأَ بلال خدي بقدمه...» فكان ذاك توبةً منه وطلبًا للعفو عمَّا قال

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخدم ضيوفه بنفسه، ويكرمهم للطافته وحسن معاشرته. ولم يجادل أحدًا أو يخاصمه حتى في طفولته

وكان يُعرَف برأفته على الفقراء واليتامى والمساكين والأرامل

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال

«ما شممت عنبرًا قط، ولا مِسكًا قط، ولا شيئًا أطيبَ من ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا مسست شيئا قط ديباجًا ولا حريرًا ألين مسًّا من رسول الله صلى الله عليه وسلم»

قال ثابت- أحد طلبته

«يا أبا حمزة ألست كأنك تنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنك تسمع إلى نغمته؟»

فقال: «بلى والله إني لأرجو أن ألقاه يوم القيامة، فأقول يا رسول الله، خويدمك»

وقال: «خدمته عشر سنين بالمدينة وأنا غلام ليس كل أمري كما يشتهي صاحبي أن يكون، ما قال لي فيها: أف، ولا قال لي: لمَ فعلت هذا؟ وألا فعلت هذا!»

*

لقد عمَّت رحمة نبينا الكريم محمدٍ صلى الله عليه وسلم المخلوقات كلها. فكان عندما يرى طفلًا، يظهر على وجهه السرور والمحبة، وكان يحضن أطفال الصحابة، ويمسح على رؤوسهم، ويسلِّم على الأطفال في طريقه. وكان يحبهم حبًّا عظيمًا ويمازحهم أحيانًا. وقد رأى ذات مرة جماعة من الأطفال يتسابقون، فسابَقَهم

وكان رحمة العالمين عليه الصلاة والسلام إذا لقي الأطفال وهو على ناقته أركبهم معه. يقول أنس رضي الله عنه في هذا الشأن

«ما رأيت أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم»

«كان إبراهيم مُسترضِعًا له في عوالي المدينة ، فكان ينطلق ونحن معه فيدخل البيت وإنه ليُدَّخَنُ، وكان ظِئرُه  قَينًا ، فيأخذه فيقبله، ثم يرجع»

وهاكم حديثًا يوضِّح خير توضيح رحمة الإسلام ورأفته بالأولاد: عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت

«جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تُقبِّلون الصبيان؟ فما نقبِّلهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم

"أَوَأملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة»

وعن أسامة بن زيد

«كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذني فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن على فخذه الأخرى، ثم يضمهما، ثم يقول: "اللهم ارحمهما فإني أرحمهما

فقول النبي صلى الله عليه وسلم هذا، ومنعُه الدعاء على الأولاد من أجمل مظاهر المحبة العظيمة والرأفة والرحمة المكنونة في قلبه للأولاد

وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال

«صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الأولى ، ثم خرج إلى أهله وخرجت معه، فاستقبله ولدان، فجعل يمسح خدَّي أحدهم واحدًا واحدًا، قال: وأما أنا فمسح خدي، قال: فوجدت ليده بردًا أو ريحًا كأنما أخرجها من جؤنة  عطار»

ومن دلائل رفقه ورأفته الكبيرة أنه كان يقصر القراءة في الصلاة إن سمع ولدًا يبكي ، وأنَّ لحيته كانت تبتل من البكاء في الليالي وهو يدعي لأمَّته، وأنه قد أمضى عمره كله حريصا أن يُنجيَ الناس من نار جهنم

وقد شملت مرحمته عليه الصلاة والسلام حتى الأموات. فمن أعظم ما يُخشى منه على الميت ما تركه من حقوق العباد. لذا لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على الميت حتى تؤدَّى حقوق العباد التي عليه

ولقد كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يحزن كثيرًا إن وُضِع الميت في القبر ولم تؤدَّ عنه حقوق العباد، فقد كان نبي الرحمة والرأفة على جميع أمته


الهجرة وغار ثور

بعد أن جاهد النبي صلى الله عليه وسلم قومَه في تبليغهم الدين في مكة ثلاث عشرة سنة، ساقتْه إرادةُ الله تعالى إلى غار آخر أثناء هجرته إلى المدينة؛ وهو غار ثور. غير أن هذا الغار لم يكن من أجل التعلم والتفكر في خلقِ الله كما كان الحال في غار حراء، بل كان مدرسةً معنوية ترقَّى فيها قلب النبي صلى الله عليه وسلم وأحاطت به الأسرار الإلهية

فمكث هنالك ثلاثة أيام بلياليها. غير أنه لم يكن وحيدًا فيها، بل صحبَه أبو بكر الصديق صاحبه وخير الخلق بعد الأنبياء وأرفعهم درجة، فنالَ رضي الله عنه شرفَ صحبة النبي في الغار ثلاثة أيام، وإليه أشار القرآن الكريم في قوله تعالى: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ}، وله قال نور الوجود صلى الله عليه وسلم

{لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا} [الأنفال: 17]

معلِّمًا إياه المعية الحقيقية مع الله تعالى. وفي ذلك الزمان والمكان كانت بداية تعليم الذكر الخفي الذي يعدُّ من وسائل اطمئنان القلوب بالله سبحانه وتعالى

أي إن ذلك الغار كان بداية التربية القلبية الأساسية التي تنقل العبد من عالَم الأسرار اللامتناهية إلى الوصال مع الله تعالى، وكان أُولى مراحل تلك الرحلة المعنوية

وقد كشفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرار قلبه الذي يعد منبع أنوار أمته أوَّلَ مرة مع سيدنا أبي بكر رضي الله عنه في هذا الغار، فتكوَّنت الحلقةُ الأولى من حلقات «السلسلة الذهبية الصوفية» التي ستدوم دون انقطاع حتى قيام الساعة

إن الإيمان يستمد طاقته من محبة النبي صلى الله عليه وسلم. والدافع الأساسي لكل عملٍ فاضلٍ أو فعلٍ سامٍ إنما هو محبته صلى الله عليه وسلم، والطريق الوحيد للوصال مع الحق تعالى يمرُّ من محبته صلى الله عليه وسلم، ذلك أن شرط المحبة وقانون العشق محبةُ ما يحبًّه المحبوب؛ ومن المُحال إدراك المحبة الإلهية بعقولنا الضيقة فحسب

ولا ريب أن العبارات التالية سيكون لها أثر في كل قلب على حسب جوهره وطاقته

لقد كان سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يجد لذة مختلفة في كل صحبة مع النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان أخص الخواص في أسرار النبوة، وكان يحس بالشوق إلى النبي حتى وهو معه

فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

«ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر»

قال: فبكى أبو بكر رضي الله عنه، وقال

«يا رسول الله، هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله؟!»

فكان قوله هذا دليلًا على تضحيته بنفسه وبكل ما يملك في سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفنائه فيه «وتُسمَّى هذي الحال في التصوف مقام "الفناء في الرسول"». فقد كان رضي الله عنه كثير الإنفاق والبذل في سبيل الله ورسوله، حتى إنه لمَّا حثَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أصحابه على الصدقة جاء رضي الله عنه بكل ما عنده. ولمَّا سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم

«ما أبقيت لأهلك؟»

قال رضي الله عنه بإيمان راسخ لا يلين

«أبقيت لهم الله ورسوله»

وقد قال معاوية بن أبي سفيان في سيدنا أبي بكر رضي الله عنه

«أما أبو بكر فلم يُرد الدنيا ولم تُرده»

لكن لا بد أن نوضِّح هنا أن تصدُّقَ سيدنا أبي بكر رضي الله عنه بماله كله وعدم منع الرسول صلى الله عليه وسلم إياه عن ذلك أمرٌ استثنائي لا ينطبق على أي مسلم، فقد كان سيدنا أبو بكر وأسرته يتحلون بالصبر الجميل ويتوكلون على الله حق التوكل

والله تعالى وحده كان عونَ هذَين المُسافِرَين الكريمَين وملجأهما ومأواهما وملاذهما

ولمَّا قدِم الأشقياء من كفار قريش الغارَ، ما رأوا سوى بيت العنكبوت، ويقول الشاعر في ذلك

لم يكن العنكبوت في الهواء

ولا في البر، ولا في الماء

ولكن أمام البصائر المُقفلة

التي لا ترى الحق

ووصل الصاحبان الكريمان بحماية الله تعالى ورعايته إلى قُبَاء بالقرب من المدينة، وما إن شرَّفا المدينة التي كان أهلها يترقبونهما شوقًا وتلهفًا، حتى اهتزت المدينة فرحًا وطربًا. وصدحت الحناجر بأنشودة "طلع البدر علينا" لتلامس كلماتُها الآذان فتطرب بها، وتزرع السعادة والفرح في القلوب. وكان ذلك في الثاني عشر من ربيع الأول، وصار ذلك التاريخ بداية  «التقويم الهجري» الذي سيؤرِّخ ما يتلوه من أحداث حتى قيام الساعة

وغدت المدينة المنورة بعد ذلك اليوم مركزًا ينتشر منه الإسلام في أصقاع المعمورة ويرتقي ويعلو كالشجرة الباسقة، وتساقطت أوراق الكفر اليابسة بهذه الهجرة. وصار للمسجد النبوي ومسجد قباء مكانة سامية في قلوب المسلمين، حتى إن كل ناظرٍ إليهما يذكر تلك الهجرة المباركة إلى قيام الساعة

وقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أنصار المدينة ومهاجري مكة، وقاسَم الأنصارُ المهاجرينَ أموالَهم وبيوتَهم

غير أن المهاجرين كانوا أهل قناعة وعزيمة، وخير دليل على ذلك قول عبد الرحمن بن عوف -وكان من المهاجرين- للأنصاري الربيع بن سعد الذي أراد أن يقاسمه كل ما يملك

«بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق»

وبذلك تأسست الأخوة في الإسلام التي لن نجد أخوةً مثلها في التضحية والإيثار

ودخلت المدينةُ المنوَّرة التاريخَ الإسلامي من أوسع أبوابه، وصارت قبلةً للمسلمين يأتونها من كل حدب وصوب، فكل شيء فيها يميزها عن غيرها من المدائن: الأذان، والصيام، والعيد، والزكاة


بدر وأُحُد والخندق

كانت غزوة بدر أولَ معركة بين الإيمان والكفر، وانتهت بانتصار المسلمين. واجتثَّت هذه الغزوة جذور العصبية القبليَّة الجاهلية، إذ قاتلَ في هذه الغزوة أبو بكر رضي الله عنه ولدَه، وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه والدَه، وحمزة رضي الله عنه أخاه. وأنزل الله تعالى جيشًا من ملائكته الكرام مُردفين في ذلك المشهد الرهيب يقاتلون إلى جنب المسلمين، فكان الملائكة الذين شهدوا بدرًا أفضل من غيرهم وأعز شأنًا

وقد أنزل الله تعالى الآية السابعة عشرة من سورة الأنفال بعد هذا النصر العظيم كي لا يقع المسلمون في الكِبر والعُجب إذ قال سبحانه وتعالى

{فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}

*

أما غزوة أُحد التي تلت النصر في بدر ففيها استُشهِد سيدنا حمزة رضي الله عنه، واستُشهد في تلك الغزوة سبعون صحابيًّا. وكان يُؤتَى بعشرة شهداء ومعهم سيدنا حمزة رضي الله عنه للصلاة عليهم فيُدفن تسعة ويبقى سيدنا حمزة، ثم يُؤتى بتسعة شهداء إلى جنبه فيصلُّون عليهم ثم يدفن التسعة إلا حمزة، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك على سيد الشهداء عمه مرة تلو مرة

وكان يوم أُحد الذي تلا النصر في بدر يومًا بدا الحزنُ فيه على وجوه المسلمين الذين كانوا يحيون دين الإسلام مهما تقلَّبت بهم الحياة وتغيرت أحوالهم، فكانوا في قمة التوكل والتسليم والرضا بالقضاء

وقد استطاع المشركون الاقتراب من رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أُحُد التي كانت يوم محنة وابتلاء وتمحيص للمؤمنين، ففي ذلك اليوم العصيب كُسِرت رباعية الرسول لما رموه بالسهام والحجارة، وشُجَّ في جبينه المبارك الذي ينير العالَم، وسال الدم من وجهه الشريف وشفتَيه المباركتَين اللتَين تبشِّران البشر أجمعين بالرحمة. ودخلت حلقتان من حلق المِغفَر في وجنته صلى الله عليه وسلم. ووقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التي حفرها الفاسق أبو عامر ليقع فيها المسلمون، فأخذ علي بن أبي طالب رضي الله عنه بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائمًا

يقول سيدنا أبو بكر رضي الله عنه

«لما كان يوم أحد ورمي رسول الله عليه الصلاة والسلام في وجهه حتى دخلت في وجنتيه حلقتان من المغفر، فأقبلت أسعى إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإذا أنا برجل قد اعتنقني من خلفي مثل الطير، يريد رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح، فبدرني  قائلاً

«أسألك بالله يا أبا بكر إلا تركتني، فأنزعه من وجه رسول الله عليه الصلاة والسلام». فتركته. فأخذ أبو عبيدة بثنيته حلقةَ المغفر فنزعها، وسقط على ظهره، وسقطت ثنية أبي عبيدة. ثم نظر إلى الأخرى فناشدني الله لما أن خليت بيني وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام فانتهزها بالثنية الأخرى، فكان أبو عبيدة أثرم الثنايا»

وحزن الصحابة الكرام في ذلك اليوم العصيب حزنًا شديدًا، فقد كانت الأحداث مفجعة. فقال الصحابة الكرام

 «يا رسول الله، ادع الله عليهم!»

فقال عليه الصلاة والسلام

«إن الله تعالى لم يبعثني طعَّانًا ولا لعَّانًا، ولكن بعثني داعية ورحمة، اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون»

وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال في رثائه النبي صلى الله عليه وسلم مبينًا سمو أخلاقه التي لا يدانيها خلق

«بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد دعا نوحٌ على قومه فقال

{رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا}

ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا؛ فلقد وطِئَ ظهرُك، وأُدمِيَ وجهك، وكُسِرَت رباعيتك، فأبيتَ أن تقول إلا خيرًا، فقلتَ

"اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"

فتلكم الأحداث والأهوال وقعت في ذلك اليوم الذي ابتُليَ فيه المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا

لقد كان الصحابة الكرام يتَّبعون رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر دون قيد أو شرط، وكان دافعهم إلى ذلك حب نبيِّهم ودينهم، فكان مما قالوا

«إنا قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن كل ما جئت به حق، وأعطيناك مواثيقنا وعهودنا على السمع والطاعة، فامضِ يا نبي الله، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت هذا البحر فخضتَّه لخضناه معك، ما بقي منا رجل

أما في أُحُد فقد كانت الغفلة عن طاعة أوامر رسول الله عليه الصلاة والسلام، والميل قليلًا إلى متاع الدنيا ومغرياتها سببًا كافيا في تغير نتيجة الحرب وتأخر النصر، فكان ذلك تحذيرًا من الله تعالى للمسلمين وتنبيهًا لهم. وقد كان لأُحُد مكانة عظيمة في قلب رسول الله عليه الصلاة والسلام لما عاشوا فيها من تجليات عظيمة. وظلَّ عليه الصلاة والسلام يزور أُحُد وشهداءه طوال حياته. وكان يقول

«إن أُحُدًا جبل يحبنا ونحبه»

لقد كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يُحِب أُحُدًا الذي شهد تلك الأحداث العظام واحتضن ترابُه أولئك الشهداء الكرام محبةً عظيمة، فصار مزارًا تزوره أمته من بعده حتى قيام الساعة

*

 

وأما غزوة الخندق ففيها عَرَضَ للمسلمين صخرة لا تأخذ فيها المعاول أثناء حفر الخندق، فجاء رسول الله عليه الصلاة والسلام فكسرها بثلاث ضربات مبشِّرًا بفتح الشام في الضربة الأولى، وبفتح فارس في الثانية، وبفتح اليمن في الثالثة، وهو ينظر إلى قصور تلك البلاد. فزرعت بشارة إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى في تلك البلاد الأملَ في القلوب اليائسة بالانتصارات القادمة، وبشَّرت بتبديد نور الحق ظلامَ الباطل في المستقبل القريب، ووعدَت بالهداية التي تشمل العالَم كله

لقد كانت غزوة الخندق كالبوتقة التي عانى المسلمون فيها من التعب والنَّصَب والجوع والبرد والظلام، ورسول الله عليه الصلاة والسلام آنذاك يبتهل إلى ربه قائلًا

«اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للمهاجرين والأنصار»

مذكِّرًا إياهم بالآخرة، وأن الدنيا وما فيها من مصائب ومشقات لا قيمة لها أمام الحياة السرمدية الآخرة


تزكية النفس

تفيد معاجم اللغة عن معنى التزكية بأنه التطهير والتنظيف والتخليص من كل ذميم، وكذلك تفيد معاني الزيادة والنماء والبركة

أما التزكية في معناها الصوفي فتشمل عملية التربية المعنوية بحذافيرها، فتزكية النفس في واقعها العملي هي أن تبدأ بتطهيرها من الكفر، ثم من الجهل، ثم من الأحاسيس الدنيئة، والمشاعر الشهوانية، والأقذار الإنسانية، والمعتقدات المشوهة، والأخلاقيات المنحرفة، والأعمال الزائغة عن أوامر الشرع ونواهيه، أي تطهيرُ القلب من فساد الاعتقاد، وتطهير الأفعال من مذمات الأعمال، وتطهير العقل من نقائص الجهل

ثم متابعة ذلك التطهير بالتدبير، ومتابعة تلك التخلية بالتحلية، فإذا خَلَّيت القلب من فساد الاعتقاد حَلَّيته بالتقوى والإيمان، وإذا خَلَّيت العقل من نقائص الجهل حليته بالعلم والحكمة والعرفان، وإذا خليت الأفعال من مذمات الأعمال حليتها بالأعمال الصالحة والمشاعر النقية، وإذا خليت الروح من جفاف الدنيا ملأتها بروح وريحان، وندى من جنات عدن، ورويتها من كوثر القرآن والسنة

والتزكية في المفهوم الصوفي هي أن تنزع لجام الرغبات من أيدي النفس، وتنزع مِقْوَدَ الشهوات من سيطرة الرغبة، وتخلُّص البدنِ من نفوذ نوازع الشر يكون بتقوية الإرادة، وتتأتى هذه الإرادة برياضة النفس وترويضها، وتدريبها على أصول الاعتدال في مدخلات النفس؛ لتحسن مخرجاتها، وليسهل التحكم فيها، ويحصل إلجامها

ومن أصول إلجام النفس لدى أهل التصوف

نقص الطعام، وقلة المنام، وندرة الكلام

وهي الخطوات الأولى في طريق الرياضة، والقواعد الأولى لحكم النفس والسيطرة عليها؛ لكن لابد أن نضع في الحسبان اعتدال الميزان، فنحن هنا نروض النفس ولا نقتلها، فعلينا أن نحافظ على أمانة الله لدينا، وهي أبداننا، فنصونها عن البوار المادي، ولا نقصر في تطهرها المعنوي

 والاعتدال في كل الأحوال هو كمال الإسلام وميزته الكبرى، فلا تهاونَ ولا غلو، ولا إفراط ولا تفريط، فالعبادات والرياضات والمجاهدات إنما وضعت قواعدها للتزكية والتربية، وفق الخضوع للأوامر الإلهية

وعاقبة الإنسان ومآله في أخراه ودنياه متوقف -إلى حد كبير- على هذه التربية وتلك التزكية؛ هل تسوقه إلى هلاك، أم تقوده إلى نجاة؟ وكي نقف على بداية طريق التربية والتزكية، لابد من الوقوف في البداية ضد الشهوات، وضد فساد الأحوال والطموحات، وكذلك لابد من الخضوع التام للإرادة الإلهية

ثم إدراك المؤمن السالك مدى عجزه وقصوره ونقصانه وجهله، وفنائه، وفي المقابل؛ يدرك مدى عظمة ربه وقدرته وجلاله وكماله

وبناءً على ذلك الإدراك ينظم المؤمن أفعاله، وحينها يمكن للنفس الأمارة بالسوء -وفق الوصف الرباني- أن تتطهر من هذا السوء لتصل إلى حالة مقبولة

ولأن هذا السبيل -سبيل التربية والتزكية- هو جهاد في طريق السير والسلوك، فقد أطلق عليه اسم «الجهاد الأكبر» لمدى قدره وخطره، وهو ما جاء في الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم إبان عودته من غزوة تبوك، ورغم أنها أيضًا كانت من أصعب وأخطر الغزوات، إلا أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه عند القدوم منها

«قدمتم خير مقدم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»

وهل هناك جهاد أكبر من الجهاد في الغزوة بالذات، التي أحاطت بها العقبات والمصاعب منذ اللحظات الأولى للإعلان عنها، فالجيش الذي يجابهه المسلمون جيش عرمرم ملأ الشرق والغرب، والوقت الذي بدأ فيه الإعداد للزحف كان حين اشتد الحر، وطاب جني الثمر وحان موسم الحصاد، كل ذلك مع خفة الزاد، وانعدام الراحلة، وبُعْدِ الشُّقة، وتباطؤ الناصر، فقد تخاذل المنافقون، وكثر اللامزون، ومع هذا كله انطلق نحو ثلاثين ألف صحابي يقطعون الفيافي، ويضربون أكباد الإبل لمسافة بلغت نحو ألف كيلو متر

فمَنَّ الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام بإحدى الحُسنَيين وأحد الوعدين، وها هو الجيش يعود إلى المدينة، وقد صارت عكن بطونهم عظامًا، وأطرافهم من ضمورها كأنها سهام، تغيرت منهم الوجوه حتى أنكرهم القريب، وتبدلت أحوالهم حتى رق لهم العدو مع الحبيب، ثم بعد كل هذه الأهوال والأحوال، يسمعون من النبي صلى الله عليه وسلم ذلك المقال

«الجهاد الأصغر»، فتطلعت الأبصار والأفئدة إلى صاحب الحكمة ونبع العرفان، المصطفى صلى الله عليه وسلم يسألونه

 «يا رسول الله، إنك ترى حالنا هذا! وهل هناك جهاد أكبر من هذا؟»، فأجاب الرسول صلى الله عليه وسلم

 «قدمتم خير مقدم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر: مجاهدة العبد هواه»

أي ربي، أجهاد النفس أصعب من ذلك كله؟

وفي هذه الغزوة أيضًا ما هو أشد على الأفهام وأصعب على الأحلام، إنه ذلك الدرس الدقيق من قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا، فأقعدتهم أنفسهم عن اللحاق بالركب الكريم إلى الجهاد، رغم أنهم شاركوا في معظم الغزوات السابقة، هاهم منبوذون من الناس، مقطوعون من الجماعة، ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، بل ضاقت عليهم جلودهم ندامة وتقريعًا، وأصابهم العار قبل أن يأتيهم الفرج من العزيز الغفار

هؤلاء الثلاثة تخلفوا عما يُدعى «الجهاد الأصغر» فأصابهم التحقير، فما بالنا بمن يتخلف عن «الجهاد الأكبر»، أي تحقير يصيبه؟ وأي عار يلحق به؟ وبأي جواب سوف يجيب مولاه حين يُنصَب الميزان، ويُنشَر الديوان، وتنطق الجوارح قبل اللسان، لتشهد الأعضاء والأبدان على من أتبع نفسه هواها، فما طهرها وما زكَّاها، لكنه تخلف عن الجهاد الأكبر فدسَّاها

وكما يقول الفاروق عمر رضي الله عنه: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا»، فحاسبها حسابًا غير يسير، ولم يغفل لها أو يغفر أي أمر قليل أو كثير، وأخضعها لحساب دقيق، قبل أن يأتيه الحساب الإلهي الأدق

 ويحذر المولى عزَّ وجل عباده تحذيراً شديداً حين يقول

 (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) (المؤمنون، 115)

 ويقول الحق تعالى في آية أخرى

 (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى) (القيامة، 36)

 ويقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم

 «الكَيِّسُ من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبعَ نفسه هواها، ثم تمنى على الله» (الترمذي، القيامة، 25؛ ابن ماجه، الزهد، 31)

 بعد كل هذه المعاني في القرآن والسنة، وكل هذه التكليفات المؤكدة بمواثيق لا تنحل، وكل هذه المسؤوليات الملقاة على عاتقك، لابد أنك أدركت عظم الغاية والتكليف المنوط بك، وأدركت ما تحتاج إليه من خطط تعينك على أداء هذه المهمة الشاقة المعقدة والدقيقة، فينبغي أن تكون كل حركة من حركاتك سعيًا نحو القمة، وكل سكنة من سكناتك انتقاصًا لحظ الشيطان من نفسك، وكل فعل من أفعالك معراجًا للتقرب إلى الحضرة الإلهية. وإلا، وقعت في زلل عظيم، وخسران مبين، وكنت كمن يبني قصرًا، ويهدم مصرًا

 ويُنبِّه الله تعالى عباده من مخاطر النفس في قوله

 (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا) (الفرقان، 43)

 ويقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

 «إني أخاف على أمتي من ثلاث: من زلة عالم، ومن هوى متبع، ومن حكم جائر»

 «إن مما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى»

لذا، فإن تزكية النفس للمؤمن أمر مصيري، ومسألة حياة أو موت، حياة قلب أو موت روح، وكأنها جزء من الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، ما أعظمها من مسؤولية

ويقول الله تعالى عن هذه المسؤولية في الآية الكريمة

 (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس، 9-10)

فالفلاح منوط بتزكية النفس وتربيتها، أما إهمالها في توحشها، وتركها سادرةً في غيها، فهو الخسران المبين

إن النفس هي السيف الذي يقتل ويقاتل، يقتل صاحبه، أو يقاتل عدوه، يفعل الشيء وضده، يحفظ حياتكم ويقاتل دونها، أو هو يضيعها ويودي بها، والفيصل بين الأمرين هو التربية؛ تلك التي تسمو بالإنسان أو تهوي به

وثمة إشارة وعلامة على أنك تسير على الدرب الصحيح، وهو أن ترى شجرة عملك قد أثمرت، وآتت أُكُلها، وأن ترى ثمرتها قد أينعت، وأطعمت أهلها؛ أي أن يكون عملك ذا فائدة وأثر في الناس، كالإنفاق والصدقة والخدمة، فإذا ما أثمر العمل في الناس فقد أثمر فيك وأثَّر، وضربت جذوره في أعماق شخصيتك، واستأنست به روحك

وثمة وسيلة عظيمة في إصلاح النفس تزكيةً وتربيةً وتهذيبًا، ألا وهي قراءة القرآن، أصدق الكلام وأعظمه، وأرشد الهدي وأحكمه، قراءة وتدبرًا وعملاً وامتثالاً

والعبد حين يجعل القرآن منهاجه، ويجعله هدايته ونبراسه وسراجه، ويتخذه قانونًا عمليًا، وواقعًا فعليًا، يعيش به، ويعيش له، وتستقيم أموره وحياته كلها عليه، حينها تكون نجاته محتومة، وبراءته مختومة، وآثار دسائس الشيطان فيه معدومة، عندها يرضى برضا الله تعالى ويسخط بسخطه، فتنفتح له أبواب التجليات، وسماء الانكشافات، وتنهال عليه شآبيب الألطاف الإلهية، ويرقى إلى حال الفتح، فيفتح الله تعالى عليه فتوح العارفين، وينفذ من عالم الشهود إلى عالم المشاهدة، ومن عالم الظاهر إلى عالم الباطن، ومن دنيا الماديات إلى أفق المعنويات؛ حيث التجليات والفيوضات، فيسمع ما لا أذن سمعت، ويرى ما لا عين رأت، ويدرك ما لم يخطر على قلب بشر، ويمسي الكون كلُّه أمامَ بصره وبصيرته كتاباً مليئًا بآيات الحكمة والعظمة

والقرآن والسنة معا هما دستور ذلك كله ومفتاحه، والسبيل إليه ومعراجه، بما يحمله من توجيهات وأوامر ونواه وعظات وأحكام وآيات

 وثمة آيات كثيرة في قرآننا العظيم تتحدث عن تزكية النفس، والتزكية في هذه الآيات تقع في ثلاثة أقسام، وهي

 تزكية الله تعالى

  تزكية الرسول صلى الله عليه وسلم

  تزكية المرء نفسه

 تزكية الله تعالى

 يقول الله تعالى في الآية الكريمة

 (فلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (النجم، 32)

 وقد فسَّر الشيخ ألماليلي حمدي رحمه الله هذه الآية بقوله

 «لا تُثنوا على أنفسكم بظنِّكم أن لا ذنب أو عيب فيكم، وأنكم طاهرون أنقياء، فكم من عيوبٍ موجودة فيكم وأنتم غير مطلعين عليها». (الدين الحق، 7، 4605)

 أما الألوسي فيقول في تفسير هذه الآية

 «نزلت -على ما قيل- في قوم من المؤمنين كانوا يعملون أعمالاً حسنة، ثم يقولون صلاتنا وصيامنا وحجنا، وهذا مذموم منهي عنه إذا كان بطريق الإعجاب أو الرياء، أما إذا لم يكن كذلك فلا بأس به، ولا يعد فاعله من المزكِّين أنفسهم». (روح المعاني، 27، 64)

يقول المولى عزَّ وجل في آية أخرى

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) (النساء، 49)

والتزكية في هذه الآية هي عبارة عن سعي المرء لمدح نفسه، وإظهارها على أنها طاهرة، لكن التزكية الحقيقية منوطة بالتقوى، والتقوى هي صفة من صفات الباطن لا يعلم حقيقتها إلا الله تعالى؛ ولهذا لا تُقبل تزكيتنا لأنفسنا، بل تزكية الله تعالى لنا

وكان من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم

«اللَّهم آتِ نفسي تقواها، وزكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها». (مسلم، الذكر، 73)

ويقول عز من قائل

(...وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللهَ َيُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَالله سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (النور، 21)

في هذه الآية الكريمة المحكمة نجد بلاغة النص الحاسم القاطع في أن فعل التزكية منسوب إلى الله تعالى وحده، فهو الذي يزكِّي، وهو الذي يفتح لك الطريق للتزكية، وهو الذي يدعمك فيه، ويأخذ بيديك إليه سبحانه، وليست التزكية جهدًا خالصًا من نفسك، ولا عملاً متفردًا من إرادتك، ولا سموًا راقيًا من قلبك، فاحذر من الإعجاب بذاتك إذا أنت وجدت بعضًا من نتائج جهادك، فكل ذلك لا جدارة ولا دراية ولا هداية منك إليك، إنما هو توفيقه سبحانه، والخلاص الأبدي في الدنيا والآخرة هو أمر إلهي عبر توفيق الله لك بجهادك، وإرساله الأنبياء والمرسلين، وإمدادك بالأولياء والمرشدين، وهدايتك إلى ذاته العلية، برحمته الإلهية

 تزكية الرسول صلى الله عليه وسلم

يوضِّح المولى عزَّ وجل مهمات النبي محمد صلى الله عليه وسلم في قوله

(كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (البقرة، 151)

(لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (آل عمران، 164)

نفهم من هاتين الآيتين الكريمتين أن للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ثلاثَ مهمات هي

أ. تلاوة آيات الله على الناس

المهمة الأولى مشتقة من اسم صاحبها -الرسول- فهو الذي يحمل رسالة السماء إلى الأرض، ويبلغ كلام الله إلى عباد الله، فينقل آيات الوحي الإلهي إلى مسامع وأفهام وقلوب الناس، كمرحلة أولى وأساسية في تبليغ رسالته، وإرساء قاعدة رئيسية في مهمة نبوته

ب. تزكية الناس

وهي المهمة التالية للأنبياء والمرسلين، وتسبق دعوتَـهم إلى التوحيد والإيمان، إنها تزكية أنفسهم من أدران الشرك ومساوئ أخلاق الجاهلية، وتطهير قلوبهم من تعلقها بالأغيار، وعبادة ما دون الله أو الشرك به سبحانه، أو التصورات الخاطئة عن ذاته العلية، وبعد أن تطهر هذه النفوس والقلوب من علائق الجاهلية، يجد الخشوعُ سبيلَه إليها مع الطمأنينة بالإيمان، والأنس بصحبة أهل الإيمان، والسير في طريق الهداية في هدي النبي صلى الله عليه وسلم كما فعل الصحابة الكرام الذين كانوا من قبل في جاهلية جهلاء وظلمة ظلماء، حتى جاءهم النور المبين، فأخرجهم من الظلمات، وأعطاهم البينات والآيات، فصاروا معجزات يضرب بهم المثل في المناقب حتى ارتقوا أعلى المراتب

ت. تعليم الكتاب والحكمة

وهي المهمة الثالثة والمرحلة التالية في توصيل الرسالة، فالنفوس التي تزكت، والقلوب التي تطهرت، تحتاج لما يملؤها ويهديها وينورها، ولا يملؤها مثل القرآن، كما أن القرآن لا يفقهه على حقيقته، ولا ينفذ إلى أعماق معانيه إلا قلب سليم طاهر

فهذا الكنز الثمين الذي لا يتناهى ولا ينفد مستودعه وخزائنه، هو كتاب الله المسطور (القرآن)، وكتاب الله المنظور (الكون)، والإنسان هو الذي يقرأ هذا وذاك، وتتجلى حكمة الكتابين وأسرارهما في قلبه، وبمقدار نضج قلبه وتزكيته يدرك هذه الأسرار ويسبر أغوارها

أما تعليم الحكمة فهي المرحلة الأخيرة من تلك المراحل، ومترتب عليها ومرتبط بها، فالآية الكريمة تربط العلم بالتزكية؛ بل تجعل التزكية أساسًا للعلم والحكمة، كما أن العلم لا طائل من ورائه ولا نفع منه دون الحكمة، وصاحبه كمن بلغ منتصف الطريق بين المنطلق والغاية، فلا هو أراح نفسه من عناء العمل، ولا هو واصل العناء ليبلغ الهدف، فلا ظهرًا أبقى ولا أرضًا قطع

ويبدأ الأنبياء & مهمتهم بقراءة كتاب الله، ثم يعملون على تطهير نفوس حوارييهم من أدرانها، ثم يعلمونهم الكتاب، وعندها تكون القلوب قد طهرت واستعدت لتعلم الحكمة، والاطلاع على أسرار الكون ومظاهر القدرة فيه

 ويقول سيدنا عثمان رضي الله عنه في ذلك

 «لو طهرت قلوبكم، لما شبعتم من كلام الله عزَّ وجل» (علي المتقي، كنز العمال، جـ2، 287/4022)

 إن مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم في قراءة الآيات، وتعليم الحلال والحرام ستستمر على يد العلماء، أما مهمة تزكية النفوس وتطهير القلوب فهي مهمة المرشد الكامل إلى يوم القيامة

 تزكية المرء نفسه

 يقول الله تعالى

 (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس، 7-10)

والحُكم في الآيات واضحٌ لا تأويل فيه، والحق فيها بيِّن حاسم لا مواربة فيه، مآل ومصير مَن عمل على نفسه وجعلها شغله الشاغل تربية وتهذيبًا، أو إهمالاً وتقصيرًا، فإما الفلاح، وإما الخيبة والخسران في الآخرة

ويبشِّر الله تعالى في الآية التالية عباده الذين سينالون السعادة الحقيقية

 (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي. وَادْخُلِي جَنَّتِي) (الفجر، 29-30)

 ويقول الله عزَّ وجل في آية أخرى

 (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) (الأعلى،14-15)

 كما أن الترتيب الموجود في هذه الآية الكريمة يجذب انتباهنا، وهذا الترتيب هو كالتالي

 أولاً تطهير القلب والبدن والمال من السيئات، وبهذا يزول حاجز الغفلة بين العبد وربه

ثم تزيين القلب باللذات الروحانية من خلال دخول العبد في حالة عبادة خاشعة تامة، ببدنٍ يتغذى على الطعام الحلال، وقلب ذاكر لله ذي الطَّول والجلال

 ويعبِّر البورصوي عن ذلك في تفسيره قائلًا

 «وفي الآية إشارة إلى تطهير النفس من المخالفات الشرعية، وتطهير القلب من المحبة الدنيوية، بل من ملاحظة غيره والتوجه إلى الله تعالى بقدر الاستعداد» (روح البيان، جـ10، 410)

وها هو ولي الله أبو بكر الكتَّاني -قدّس الله سره- يسألونه عن ماهية عمله في الدنيا، بينما هو مفارقها، طريح على فراش الموت، فيجيبهم واضعًا قواعد جليلة في كلمات قليلة

أما عملي، فما كنت لأذيعه عليكم خشية الرياء، لكن الوقوف على أعتاب الموت ما ترك للرياء بابًا، لقد أمضيت أربعين حولاً حارسًا أمينًا عند باب قلبي، وجاهدت ألا أفتح هذا الباب إلا لله سبحانه، فلما استوثقت من الباب لم يعد قلبي عارفًا إلا بالله تعالى

وكلمة «تَزَكَّى» الواردة في الآية السابقة فسَّرَها حبرُ الأمة عبد الله بن عباس  رضي الله عنهما بأنها قول «لا إله إلا الله»؛ إذ إن أول خطوة ومرحلة في التزكية هي تطهير القلب من الكفر والشرك، وكلمة التوحيد تبدأ بنفي الأغيار والآلهة التي تُعبد من دون الله تعالى من الأهواء والطبائع والشهوات وكل أوثان النفس، ثم بعد النفي يأتي الإثبات للّه تعالى وحده، بعد أن يتم تجهيز عرش القلب ليتربع عليه العظيم الأوحد

وما أروع ما قاله الشاعر في هذا المعنى

لا يتجلى الحق في فـؤادك ما لم تُخرج من قلبك الأغيارْ

فالسلطان لا يدخل قصره إلا بعد أن تبلـغ الدار غايـة الإعمارْ

وعن أهمية التزكية يقول إبراهيم الدسوقي قدس الله سره

«يا بُني، لا تغتر بعبادتك مهما بَلَغَت، ولا بسريرتك مهما طهرت، ولا تُعجَبَنَّ بذاتك مهما نلت من الحق تعالى معاملة خالصة، فللنفس حِيَلٌ لا تنتهي، ولها غرور لا ينفد، فكم من درويش غرته نفسُه حتى أهلكته شهواتُه»

ويقول الشيخ العالم حاتم الأصم قدس الله سره

 «لا تغتر بموضعٍ صالح، فلا مكانَ أصلح من الجنة، وقد لقي آدم عليه السلام فيها ما لقي، ولا تغتر بكثرة العبادة، فإن إبليس بعد طول تعبده لقي ما لقي، ولا تغتر بكثرة العلم فإن بلعام كان يحسن اسم الله الأعظم فانظر ماذا لقي

 وكم من آية كريمة يحذِّر فيها ربنا الرحيمُ عبادَه من حيل الشيطان ومكائده

 (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) (الأعراف، 16)

 (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (الحجر، 39)

 ولا تغتر برؤية الصالحين، فلا شخص أكبر قدرًا من المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولم ينتفع بلقائه أقاربُه أو أعداؤه». (القشيري، الرسالة، جـ1، 257)

والأمثلة على ذلك تترى

  فها هو ابن نبي؛ يأوي إلى الجبل ولا يأوي إلى رب الجبل؛ يستغني عن نبوة أبيه وسفينة أبيه، فيكون من الهالكين

 وها هي امرأة نبي، لم تركن إلى دعوة زوجها لوط، ولا إلى فيوضات رب لوط، فكانت عاقبتها عاقبة قوم لوط

استغنى هؤلاء جميعًا عن الحق، فأعرض الحق عنهم، رغم أنهم كانوا إلى كنفه أدنى، وإلى ساحته أقرب، لكن قرب المكان لا يُعتد به إذا لم يكن قربٌ في المكانة، وأنسٌ في القرب، وشعورٌ في القلب

فلا زوج ولا ولد، ولا أب ولا معين ولا سند، ولا ينفع في النجاة أحد، إلا الواحد الأحد

فمن تجاوز عقبة نفسه، ونجا من غوايتها فقد أدرك النجاة، وأدركه الفلاح، ومن وقع في براثنها، واشتبك في حبائلها فقد ضل طريق النجاة، وصار من المهلكين

ويقول المولى سبحانه في الآية الكريمة

(إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ) (فاطر، 18)

والتزكي في هذه الآية يحمل أيضًا معنى الصلاة الخاشعة والعبادات الخالصة للّّه، وقبله تحذير بالخشية، وإنذار بالمراقبة، كما تلقي الآية المسؤولية عليك وحدك، وتلزمك طائرك في عنقك، فتزكيتك لا تنفع أحدًا سوى نفسك، وعملك الصالح لا يفيد أحدًا سواك

وتوضح آية (إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) أنَّ من يصل إلى العلم الحقيقي، ترتعد فرائصه خشية من الله تعالى، أما من لا يعرف ربَّه، ولا يخشاه، فقلبه ميِّت، ولا يؤثر التنبيه ولا النصيحة في مثل هؤلاء الأشخاص، والآية السبعون من سورة يس تفيد المعنى نفسه (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا...)، وهذا يعني وجوب الخشية في الباطن، والصلاة الصحيحة في الظاهر

والآية التالية تبيِّن أن من يتطهر من الذنوب، فجزاؤه الجنة والدرجات الرفيعة

(وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى . جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى) (طه، 75-76)

أَوَتدري أيها العبد المخلص ما جزاء الحب الخالص، وما هو رد المحبوب على حبيبه الوفي؟ إنه جزاء أعظم من الجنة، وأرفع من الفردوس الأعلى، وأحسن من الحسنى، فمن تعلق قلبُه بالله وحده، ولم ينشغل بسواه سبحانه، وأخلص الحب له، والشغف به، والسكون الدائم إليه، والركون والتوكل الحق عليه؛ كان جزاؤه من الله يوم القيامة النعمة العظمى بالنظر إلى وجه الله تعالى، والتمتع بجماله، والانبهار بجلاله، فلا كلمات تعبر عن مقدار الجزاء، ولا بلاغة تومئ إلى عظمة الأجر

وما من امرئ يتوجه إلى الله تعالى حق التوجه بإرادته واختياره، إلا انقطعت جميع أفكاره بغير الله عزَّ وجل وزالت همومه، وتبدأ معرفة الله تعالى بإدراك حقيقة النفس بعد تزكيتها، وهذا هو المعنى الحقيقي لعبارة «من عرف نفسه، عرف ربه

لكن من الذي يُعَرِّفك نفسك؟ ومن الذي يقودها إلى الفلاح؟ ومن الذي تأمن فيه علمه وتجربته وتقواه وقدرته على القيادة؟ وأين نجد هؤلاء النورانيين في دنيا الظلام، وأين نجد أهل الحق في عالم الأوهام؟

إنهم هاهنا؛ أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، سواء من كان منهم حيًا، أو من انتقل إلى كنف ربه، ولنا في سيرتهم ومآثرهم امتداد نور الهداية، وطوق النجاة في بحر الغواية

وهم كثير قد لا يفطن بعض الناس إليهم، لكن التاريخ لا يغفل ذكرهم، من هؤلاء السلاطين في دنيا الظاهر والباطن، السلطان سليم الأول، وهذا الموقف ذو الدلالة العظيمة

يعود السلطان سليم فاتح مصر والشام من فتوحاته المظفرة، وقبل دخول عاصمته -إسطنبول- يعلم بالحشود الهائلة من شعبه تستعد لاستقباله في فرحة عارمة، تملؤهم مشاعر الفخر والفرح بسلطانهم الفاتح وجيشه المظفر، فإذا بالسلطان الذي هزم الجيوش وأزال العروش يخشى على نفسه من الهزيمة أمام جحافل الفخر والعجب والغرور، فيأمر على الفور جيشه بالتوقف خارج المدينة عند سفوح (شامليجه) ويلجأ إلى مرشده ومربيه «حسن جان» قائلاً

«لقد رأيت ألا أدخل المدينة إلا في جنح الظلام، بعد أن تنفض الجموع، ويأوي كلٌّ إلى داره، فإني أخشى أن تهلكنا عبارات المدح والثناء، ويصيب نفوسنا من إعجابهم البلاء»

وبالفعل يلج السلطان وجيشُه عاصمته في ستر الليل، هروبًا من أضواء الانبهار، وخوفًا من تحية الانتصار، لقد كان حذر السلطان على نفوس جيشه أشدَّ من حذره من عتاد أعدائه وجيوشهم، لقد كانت معركة «شامليجه» أشد خطرًا في أعين السلطان وفكره من وقائعه في مرج دابق والريدانية

لقد كانت سلطنته على نفسه أجدر من سلطنته على الدولة والجيش والأعداء

ويوضح بيته الشعري التالي أن الإرشاد على يد أحد الأولياء الصالحين أكثر قيمة من حكم الدنيا وما عليها

ليس الخير في كون المرء سلطانًا على الدنيا

بل الانتساب إلى ولي يوصلك إلى الدرجات العليا

وفي دنيا التصوف وعلم الروحانيات ما يسمى «التفحص الباطني» أو ما يعرف في الأوساط التربوية باسم «محاسبة النفس»، وهو أمر يجب على كل مسلم أن يعتاده، حتى يصبح ديدنه في كل وقت، وعادته في كل مساء حين يخلد إلى النوم، وتنكفئ عنه زخارف الدنيا، فيحادث نفسه ويحاسبها، ويجادلها في أفعالها، ويقرعها على أخطائها، ويزجرها عن إصرارها، حتى تخفَّ أثقالها، وتبرأ من أدرانها

 ولنستمع هنا إلى نصيحة الإمام أبي حامد الغزالي بأذن واعية

 فإذا أصبح العبد وفرغ من فريضة الصبح، ينبغي أن يُفرِغ قلبَه ساعةً لمشارطة النفس، كما أن التاجر عند تسليم البضاعة إلى الشريك العامل يفرغ المجلس لمشارطته، فيقول للنفس: ما لي بضاعة إلا العمر،فإن فني فقد فني رأس المال، ووقع اليأس عن التجارة وطلب الربح، وهذا اليوم الجديد قد أمهلني الله فيه، وأنسأ في أجلي، وأنعم علي به، ولو توفاني لكنت أتمنى أن يرجعني إلى الدنيا يومًا واحدًا حتى أعمل فيه صالحًا، فاحسبي أنك قد تُوفِّيْتِ، ثم قد رُدِدتِّ، فإياك ثم إياك أن تضيعي هذا اليوم، فإنَّ كل نفس من الأنفاس جوهرة لا تعدلها قيمة

واعلمي يا نفس أن اليوم والليلة أربعٌ وعشرون ساعة، وقد ورد في الخبر أنه ينشر للعبد بكل يوم وليلة أربع وعشرون خزانة مصفوفة، فيفتح له منها خزانة، فيراها مملوءة نورًا من حسناته التي عملها في تلك الساعة، فيناله من الفرح والسرور والاستبشار بمشاهدة تلك الأنوار التي هي وسيلته عند الملك الجبار، ما لو وزع على أهل النار لأدهشهم ذلك الفرح عن الإحساس بألم النار، ويفتح له خزانة أخرى سوداء مظلمة يفوح منها نتنها، ويغشاه ظلامها، وهي الساعة التي عصى فيها، فيناله من الهول والفزع، ما لو قُسِّم على أهل الجنة لتنغص عليهم نعيمها، ويفتح له خزانة أخرى فارغة ليس فيها ما يسره ولا ما يسؤه، وهي الساعة التي نام فيها أو غفل أو اشتغل بشيء من مباحات الدنيا، فيتحسر على خلوها، ويناله من غبن ذلك ما ينال القادر على الربح الكثير والملك الكبير إذا أهمله وتساهل فيه حتى فاته، وناهيك به حسرة وغبنًا

وهكذا تعرض عليه خزائن أوقاته طول عمره، فيقول لنفسه: اجتهدي اليوم في أن تعمري خزانتك، ولا تدعيها فارغة عن كنوزك التي هي أسباب ملكك، ولا تميلي إلى الكسل والدعة والاستراحة، فيفوتك من درجات عليين ما يدركه غيرك

وللنفس التي تجاهد على التزكي والتطهر جنود يساعدونها، وأعوان يؤازرونها، فهذا البدن وجوارحه أمانة منحها الله تعالى للإنسان، وحدد لها مهمتها ووظيفتها، فمن وضعها في غير موضعها واستخدمها لغير أغراضها، فقد ضيع الأمانة، وأهدر الفرصة التي لن تعوض

 فالعين تغض بصرها عن المحرماتِ وكلِّ ما يشغلها عن النظر إلى آيات الله تعالى  في الكون، فهي التي تُدخل على القلب الشواغل بغير الله

 واللسان الذي باستطاعته أن يورد صاحبه المهالك بما يحمله من آفات يجب أن يُمنع من مزالق الشيطان كالغيبة والكذب والزور، والذم والنفاق، ويستخدم فيما يرضي الله تعالى من الذكر والخير

 والمعدة وهي بيت الداء ومستودع الطعام، وأصل البِطنة التي تُذهب الفطنة، إذا أُطعمت من حلال فتحت لك بابًا إلى السماء لا يُغلق، وكنت مُستجاب الدعوة

وهكذا كل الأعضاء والجوارح؛ خلق الله لها القدرة على فعل الحلال والمباحات، فمن اكتفى بالحلال، واحترز عن المحرمات، ولم يشغلها بما دون ذلك، كان على الهدي النبوي القائل

«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»

فمن أنفق جهده وأتعب جوارحه فيما يملأ خزائن حسناته، كان هو الحصيف الذي يستحق الفوز المبين؛ أما من أضاع جهده، وأفنى جوارحه في مباحات لا تغني ولا تسمن من جوع فقد أنفق كنزه فيما لا يجدي، وبعثر خزائنه فيما لا يغني

ولا تغفل -أيها المحاسب نفسه- حين تحاسبها أن تدقق وتمحص في معرفة غايتها، هل تعمل النفس أعمالها لله وحده، أم لحظ النفس وحده؟ هل غرَّها الشيطان، وألبس عليها المفاهيم والظنون، فأحسَّت بالرضا والركون إلى عملها والسداد فيها، فبعدت عن الغاية، وتعكر إخلاصها؟

*

وهناك حالات ثلاثة يمكننا رؤيتها أثناء تزكية النفس وصولاً إلى «القلب السليم»، وهي

   حالة أهل التقوى، وهي الحالة التي لا يؤذي القلب فيها أحدًا، فتقيه أخلاقه عن شرور النفس، وتحجزه عن إصابة الناس ببلواها

    حالة أهل المحبة، وهي الحالة التي لا ينالهم الأذى من أحد، فلا مديحُ الناس يغرُّهم، ولا الأحوال تغريهم، ويقول الشاعر معبِّرًا عن هذه الحالة

أيها العاشق، غاية كُل عاقل في هذه الدنيا

أن لا يؤذي أحدًا ولا يتأذَّى من أحد

   حالة أهل الإخلاص، وهي الحالة التي يضع فيها المسلم رضا ربه نصب عينيه، ويترجح عنده أمر الآخرة، مهما لقي من معارضات منافع الدنيا

وخلاصة ما ذكرناه

 لقد جعل الله تعالى النفسَ عائقًا أمام كل إنسان في هذه الدنيا، التي ما هي إلا امتحان أراده الله تعالى، وأمرَ الإنسان بالأوبة إلى خالقه من خلال الانتصار على المصاعب التي تضعها النفس، وجعل النفس أداة بيد البشر فقد تكون وسيلة للخير أو الشر، أي قد تكون بابًا للفوز أو هاوية يلقى فيها الإنسان غيًّا إذا ما أتبع النفس هواها؛ أما بركة تزكية النفس، فأمر عظيم لا يمكن مقارنته بأي شيء في هذه الدنيا

اللّهم اجعلنا ممن يتغلَّبون على أهواء أنفسهم

آمين


تطهير القلب

تحدثنا من قبل عن القلوب وأنواعها وحالاتها، وهاهنا نكمل الحديث عن الشروط الضرورية والصفات الأساسية والمزايا اللازمة لهذه القلوب كي تتدرج في رقيها، فتصير قلوبًا سليمة ومنيبة ومطمئنة، وكي تحارب الآفات وتعالج الأمراض التي قد تصيبها، وكي تتجنب الانزلاق في مهاوي دركات القلوب المختومة بالحرمان. وهذه الشروط هي

أ. الطعام الحلال

ب. الاستغفار والدعاء

ت. قراءة القرآن واتباع أحكامه

ث. الخشوع في العبادة.

ج. إحياء الليل

ح. ذكر الله تعالى ومراقبته

خ. محبة الرسول صلى الله عليه وسلم والإكثار من الصلاة عليه

د. التفكر في الموت

ذ. صحبة الصالحين والصادقين

ر. التحلي بالأخلاق الحميدة

ولْنقف الآن على كل شرط منها نتأمله مليًا، وندرك أهميتَه وعُمْقَ أثره، لنتمكن من العمل بهمة ومثابرة ودقة على تطبيقه

الطعام الحلال

              يقول إبراهيم الدسوقي قدس الله سره

              «يا إخوتي، لن تنالوا الحكمة والمعرفة طالما أنكم تأكلون الحرام»

إن البدن الذي يؤدي العبادات ويقوم بالطاعات يستمد قوته وقدرته من الغذاء المادي والغذاء المعنوي؛ ذلك الغذاء الذي تنعكس طاقته الإيجابية أو السلبية على الجسد وعلى القلب وعلى العبادات والطاعات، فإذا كان الغذاء والطعام حلالاً طيبًا، انعكست الفيوضات والرحمات على البدن والقلب، وإذا كان الغذاء والطعام حرامًا خبيثًا انعكست الغفلة والقسوة والثقل على القلب والجسد وسائر أفعالهما

وثمة ارتباط وثيق بين الحلال الكامن في الطعام والإخلاص والقبول الكامن في العمل الصالح، وعلى سبيل المثال فإن الدعاء لا يُرفع إلا بطعام حلال

وقد وضَّح الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الأمر حين قال

«أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا، إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيم) (المؤمنون، 51) وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) (البقرة،172 ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك؟» (مسلم، الزكاة، 65؛ الترمذي، تفسير القرآن، 3)

ويقول محمود سامي رمضان أوغلو -قدس الله سره

«إن الشرط الأول في قبول دعاء العبد هو إصلاح القلب باللقمة الحلال، والشرط الأخير هو إخلاص القلب وحضوره، أي التوجه إلى الله تعالى توجُّهًا تامًّا، فإذا لم تكن اللقمة في الفم حلالاً، فمن الصعب أن يكون هذا العبد مخلصًا حاضرًا، متوجهًا لله تعالى، تاركًا لما سواه»

وأولياء الله تعالى يدركون تمام الإدراك مدى خطورة المأكل الحرام، وما يترتب عليه من الأفعال والأقوال، وفي القاعدة التالية تجد مدى الحساسية الراقية في ذلك التحذير، يقولون

«انتبه لما يدخل في فمك حين تأكل، ولما يخرج منه حين تتكلم»

ويضع لنا الهادي الأمين صلى الله عليه وسلم الخطوط الفاصلة للحلال والحرام، ويضع معها الحدود التي تتقي بها الحرام، بل تتوقى مجرد الاقتراب منه، ويضرب لنا مثلاً حيًا مبسطًا ليشرح القضية برمتها، فيقول في الحديث الشريف

«الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما مُشبَّهات لا يعلمها كثير من الناس، فمنْ اتَّقى المشبَّهات، استبرأ لدينه وعرضه، ومنْ وقع في الشبهات كراعٍ يرعى حول الحمى، يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه» (البخاري، الإيمان، 39)

إن القلوب التي أشبعها الحلال، ورواها الرضا برزق الله تعالى، وأقنعها الاستسلام لقضائه، ولم تتطلع إلى ما وراء الحلال من شبهات أو محرمات أو شهوات- تلك القلوب التي حافظت على نقائها الأول، وفطرتها الأجمل- تمسي مهبطًا للفيوضات، وموئلاً للحكمة والتجليات، أما تلك القلوب التي أظلمت أعماقها، واستمرأت الحرام، فتمسي مهبطًا للشياطين وراية لعداوة الحق والدين

ونسوق إليك بعض الأمثلة والقصص التي تدل على مدى حساسية أهل الإيمان والقلوب في معالجة هذه الأمور بدقة متناهية وحذر شديد

عن زيد بن أرقم قال: كان لأبي بكر غلام يغل عليه، فأتاه ليلة بطعام فتناول منه لقمة، فقال له المملوك: ما لك كنت تسألني كل ليلة ولم تسألني الليلة؟ فقال: حملني على ذلك الجوع، من أين جئت بهذا؟ قال: مررت بقوم في الجاهلية فرقيت لهم فوعدوني، فلما أن جاء اليوم مررت بهم، فإذا عرس لهم فأعطوني، فقال: أفٍ لك، كدت تهلكني، فأدخل يده في حلقه وجعل يتقيَّأ، وجعلت لا تخرج، فقيل له: إن هذه لا تخرج إلا بالماء، فدعا بعس ماء فجعل يشرب ويتقيأ حتى رمى بها، فقيل له: يرحمك الله كل هذا من أجل هذه اللقمة؟ فقال: لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول

«كل جسد نبت من سحت، فالنار أولى به»

فخشيت أن ينبت شيء من جسدي من هذه اللقمة

وإليك أيضاً دقة وحساسية وحذرًا أشد في التعامل مع الطعام؛ إنه الحديث الذي دار بين سيدنا الخضر عليه السلام وعبد الخالق غجدواني -قدس الله سره- أثناء زيارة الخضر عليه السلام لولي الله هذا

فقد قدَّم شيخنا غجدواني رغيفَي خبز للخضر عليه السلام، لكنه لم يأكل منهما، فقال عبد الخالق غجدواني -قدس الله سره

«إن هذا الطعام طعام حلال، فلِمَ لا تأكلون منه؟»

فأجابه الخضر عليه السلام

 «نعم، إنه طعام حلال، ولكن من عَجَنَ العجين لم يكن متوضِّئًا، فليس لي حقٌّ أن آكله»

 لقد تخطى هؤلاء الأطهار الأبرار مرحلة الحلال في الطعام إلى مرحلة الحلال في شعور منْ صنع الطعام، وفي الأحوال التي تحيط بالمسألة كلها؛ رقةً ودقةً ورقيًا

وكان الشيخ نقشبند رحمه الله يفر من ريب الأمور، ويتحرى الحلال في طعامه، ودائمًا يردد في نفسه، ويقرأ على طلابه الحديث الشريف

«العبادة عشرة أجزاء: تسعة منها في طلب الحلال»، ويحث طلابه على العمل بذلك

وحرصًا منه على تحري حلال الطعام، وحلال الحال الذي صنع فيه الطعام كان رحمه الله يزرع بيديه الشعير والمشمش وبعض الخضراوات، وهو على حذر شديد إذ يتوخى الحلال في كل ما يستخدمه للزراعة سواء أكانت الأرض أم الحيوانات أم الآلات، بل حتى البذور والمياه

لذا فقد كان كثير من العلماء حريصين على التوافد إلى مجلسه للتبرك بحلال طعامه

وقد سأل أحد علماء بخارى الشيخَ نقشبند يومًا

 «كيف يحضر القلب في الصلاة؟»

فأجاب الشيخ:  «حضور القلب يبدأ من اللقمة الحلال التي تطعمها وأنت تتفكر في نعم الله عليك، ثم بيقظة القلب عند الوضوء حتى تصل إلى التكبيرة الأولى عندها يبدأ حضور القلب في الصلاة

وقال مرة لأحد طلبته حين اشتكى من فقد روحانيته التي كان فيها

«اذهب وفتش عن لقمتك التي تتناولها أحلال هي أم لا!»، وحين ذهب ذاك الطالب وبحث، اشتبه بقطعة من الحطب في موقد الطعام، فتَاب

وبلغ من حرص الصالحين في مصلحة تحري الحلال في الطعام أنهم كانوا يشترونه من السوق سرًا، وينقلونه إلى بيوتهم خفية، كي يصونوه عن العيون التي تنظر، والنفوس التي ترقب الطعام فتصيبه بأحقادها وحسدها واشتهائها؛ حرصًا من هؤلاء الصالحين على كل لقمة في الطعام الذي يستمدون منه طاقتهم للعبادة، ومصدرهم للحلال

وثمة أمر آخر مهم يُضاف إلى ذلك كله، وهو التوازن في استخدام الحلال، وعدم الإسراف في استعماله، يقول الله تعالى في الآية الكريمة

(وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا. إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) (الإسراء، 26-27)

ويوضِّح مولانا جلال الدين الرومي في كتابه (المثنوي) بأسلوب مجازي تأثيرَ اللقمة الحلال في البدن والروح فيقول

«لقد تجلى علينا الإلهام بصورة مختلفة ليلة أمس، لأن بعض اللقيمات المريبة التي نزلت في المعدة سدَّت طريق الإلهام. إن الطعام المشبوه الذي تطلبه النفس يمنعك عن طريق الحق تعالى، فهو كالأشواك التي دخلت في قدميك، لهذا يمسي من لا يتحرى لقمته من العصاة.أيها البدن، إن فيك وردة غاية في الجمال إذا ما حافظت عليها، فستظهر من الروائح الزكية التي تنبعث من تلك الوردة حديقةُ عرفان ومعرفة لا حدَّ لها

ويشير عبد القادر الجيلاني  إلى أهمية اللقمة في تطهير القلب

«انتبه يا بُني! الطعام الحرام يُميت القلب، ثمة لقمة تنير قلبك وأخرى تُظلِمه؛ وثمة لقمة تشغلك بالدنيا وأخرى تشغلك بالآخرة؛ وثمة لقمة تجعلك زاهدًا في الدنيا والآخرة وأخرى توجِّهك إلى خالق الدنيا والآخرة

إن الطعام الحرام يشغلك بالدنيا ويُحبِّب إليك المعاصي، أما الطعام المباح فيشغلك بالآخرة ويُحبِّب إليك الطاعات، ويُقرِّبك من المولى تبارك وتعالى

ولا يمكن معرفة ماهية الطعام وتأثيره إلا بمعرفة الله حين تستقر في القلب، لا في الدفتر والكتاب. والمعرفة الإلهية هي إحسان للقلب من الخالق لا من المخلوق، وهي تتحقق بعد توحيد الله والعمل بأحكامه

ويقول إبراهيم الدسوقي: «يا إخوتي، لا تظنوا أنكم ستنالون شيئًا من الحكمة والمعرفة طالما أنكم تأكلون الحرام

وكم هو مثير الحديث الذي دار بين عبيد الله أحرار والسيد قاسم التبريزي  حول الطعام الحلال؛ يقول شيخنا عبيد الله أحرار

قال لي السيد قاسم يومًا: «يا بُني، هل تعلم لماذا تبدو الحكمة والحقيقة قليلة في زماننا؟ لأن تطهير الباطن في عصرنا قليل جدًا، الكمال هو في تطهير الباطن، وتطهير الباطن يكون بأكل اللقمة الحلال، واللقمة الحلال في عصرنا هذا قليلة جدًا، وكأنه لا يوجد إنسان طاهر الباطن...إذًا، كيف تريد أن تتجلى الأسرار الإلهية في مثل هذه الأحوال؟


تعريف التصوف

من العسير أن تعبر كلماتنا المحدودة عن حقيقة التصوف ومكنوناته، إذ لا يستطيع الإنسان أن يدرك التصوف ويشعر به إلا حين يحيا به، ولذلك تنوعت تعاريف التصوف واختلفت عند أولياء الله تعالى، فكل منهم كان ينطلق في تعريفه من رؤية مختلفة عن الآخرين

 وإنما يتعمق فهم أولياء الله والسائرين في هذا الطريق للتصوف كل بحسب استعداده وقدراته وتلقيه للتجليات والأنوار، ولذلك نرى هؤلاء الأولياء يستوعبون التصوف بطرق مختلفة، ويخضع ذلك للتجليات الإلهية التي يعيشونها، ومع ذلك فإن كل تعريف قدمه هؤلاء الأولياء صحيح، ذلك لأنه جاء حسب التجربة الذاتية التي مر بها كل منهم، أما نحن فنحاول أن نصل إلى تعريف عام للتصوف من خلال النظر في هذه التعاريف

 فإذا نظرنا إلى هذه التعريفات المختلفة، نستطيع القول أن التصوف -باعتبار الجوانب المشتركة في هذه التعريفات- إنما هو علم يعمل على إصلاح عالم المؤمنين الداخلي، ليقوِّمه ويصل به إلى الكمال البشري، كما يجعل من هؤلاء الأولياء مثالًا للأخلاق الحميدة التي تقربهم إلى الله تعالى، وتوصلهم إلى معرفته ومحبته

و فيما يلي بعض من تعريفات التصوف التي قدمها لنا أولياء الله كلٌ حسب التجليات الروحانية التي نالها، وهي

        التصوف هو الأدب وحسن الخلق

حسن الخلق هو ذلك الإحسان الذي يحمل الإنسانَ على الاستقامة في الفكر والسلوك عبر تحرير الإيمان من التقليد، حيث يترسخ في القلب شعور المرء دومًا بأنه تحت مراقبة الله تعالى، حتى يهيمن هذا الشعور على ظاهره وباطنه ويستقر في وجدانه

يقول أبو الحسين النوري

 «ليس التصوف بالشكل أو بالعلم، التصوف هو الخلق الحسن لا أكثر ولا أقل، فلو كان التصوف شكلاً لناله المرء بالمجاهدة، ولو كان التصوف علماً لناله المرء بالتعلم، و لهذا فلا الشكل ولا العلم وحدهما يوصلان إلى المقصد، إنما التصوف  التحلي بالأخلاق التي أمر بها الله

وهذا التعريف يشير إلى أن التصوف يقوم على أسس وطيدة من الأخلاق

 إن معنى الخلق الحسن هو التخلُّق بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم، وفى هذا مدح الله تعالى في القرآن الكريم أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في الآية الكريمة: (وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم) (القلم، 4)

 وحين سُئِلت السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها عن أخلاقه صلى الله عليه وسلم، قالت

 «كان خلقه القرآن» (مسلم، المسافرون، 139)

 معنى ذلك أن العبد إذا تخلق بأخلاق القرآن واستقام على أحكامه، فإنه يصبح قرآناً حياً، ولا يصل العبد إلى ذروة الخلق الحسن إلا حين يتلو القرآن الكريم بتفكر وتدبر ويتَّبع أحكامه، فيحل حلاله ويحرم حرامه

 لقد أَمر اللهُ تعالى سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم بهداية البشرية وإنارة دربها، وكان ذلك منذ أن أرسله الله تعالى وحتى قيام الساعة في الأزمنة والأمكنة جميعها. ومن هذا المنطلق انتقلت إلينا كل تفصيلات ودقائق حياته صلى الله عليه وسلم، حتى الأمور الخاصة والتصرفات الشخصية عبر روايات صحيحة، وسيستمر هذا الانتقال حتى قيام الساعة بفضل  الله تعالى ولطفه، وبدراسة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يتبين لنا أنه كان يمثل كمال الإنسانية وذروة مكارم الأخلاق.  ويبين الرسول صلى الله عليه وسلم مهمته بالحديث النبوي

«إنما بُعثت لأتمم حُسْنَ الأخلاق» (الموطأ، حُسن الخلق، 8)، وأنه صلى الله عليه وسلم كان «الأسوة الحسنة» للإنسانية جمعاء، أي القدوة في الأخلاق

ويأتي القرآن الكريم على ذكر أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم في الآية الكريمة

(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً) (الأحزاب، 21)

وسُيظهِر الله تعالى حسن الخلق دومًا وإلى قيام الساعة بداية من رسولنا عليه الصلاة والسلام ومن بعده عبر ورثة الأنبياء

وفي الحديث النبوي الشريف

«أكملُ المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً»

وبهذا يشير عليه الصلاة والسلام إلى أن حسن الخلق إنما هو ثمرة الإيمان وعلامة الكمال، وأن أولياء الله الذين يتخلقون بالأخلاق المحمدية هم الهداة والمرشدون الروحانيون، ويلفت انتباهنا إلى هذه الحقيقة أيضاً أبو محمد الجريري حين قال

«التصوف هو تمثل الأخلاق الحسنة والبعد عن الأخلاق الرديئة»

فتزيين القلوب بالأخلاق الحميدة وتنزيهها عن الأخلاق الرديئة للوصول إلى النجاة والسعادة الأبدية عملية ضرورية، ولكن تحفها المشقات و المصاعب، وفي ذلك يقول أبو هاشم الصوفي وهو من المتصوفة الأوائل

«إن إزالة الكِبر المترسِّخ في القلب لهوَ أصعب من الحفر في الجبال بإبرة»

 أما أبو بكر الكتاني فيقول

 «التصوف أخلاق، ومن كان أفضل منك في الخُلُق، كان أطهر منك في المعنى»

 والتاريخ الإنساني يزخر بأخلاق الأنبياء المثالية، أخلاق لا يضاهيها أي خلق، ومن أجمل الأمثلة عن هذه الأخلاق العالية -التي لا شك فيها- سيدنا يوسف عليه السلام، فبعد أن ظلمه إخوته ظلماً بيِّنًا كان رده عليهم

 (قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (يوسف،  92)

وهذا مثال يظهر درجة العفو الكبيرة التي وصل إليها عليه السلام

 إن هدف التصوف هو أن يكون القلب مثل قلب سيدنا إبراهيم عليه السلام سالماً من الدنيا ومطيعاً لأمر الله تعالى، ومثل قلب سيدنا إسماعيل عليه السلام في تسليمه للحق ورضاه بقدر الله تعالى، ومثل قلب سيدنا أيوب عليه السلام في صبره، ويجب أن يكون حزن المؤمن مثل حزن سيدنا داوود عليه السلام، وفقره مثل فقرِ سيدنا عيسى عليه السلام واستغنائه عن الآخرين

 والمتصوف هو الذي يسعى ليكون قلبُه مثل قلب سيدنا موسى في مناجاته حين كان قلبه فياضاً بالحماسة والاشتياق، وهو الذي يسعى ويجتهد أن يكون مخلصاً كإخلاص حبيبنا وسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام

ويقول أبو حفص الحداد

«التصوف هو الأدب»

فتعريفه للتصوف هو أنه خلاصة الأخلاق الحسنة

 وعن الأدب يقول مولانا جلال الدين الرومي

 «اعلم يا سيدي أن الأدب هو تلك الروح الكامنة داخل الإنسان، والأدب عند رجال الله هو نور عيونهم وأفئدتهم، فإذا ما كنت تريد سحق رأس الشيطان، فافتح عينيك لترى أن الأدب يقهر الشيطان، وإذا لم يكن عند الإنسان أدب، فهو ليس بإنسان أبدًا، لأن الفرق بين الإنسان والحيوان إنما هو الأدب

 وثمة بيت شعري معناه

 سأل عقلي قلبي: «ما الإيمان؟»، فهمس قلبي لعقلي: الإيمان هو الأدب

 ونظم شاعر آخر بيتاً جميلاً في «الأدب» قال فيه

الأدب تاج من نور الباري               فالبسه تأمن من كل بَلاءِ

ولهذا نجد أن اللوحة التي تحمل عبارة «أدب يا هو»  في التكايا والزوايا وأماكن الخلوات القديمة واحدة من أهم اللوحات الخطية التي تحث على التيقظ والانتباه

  التصوف هو تزكية النفس وتطهير القلب

 أتى الإنسان إلى هذا العالم لكي يُمتحن في عبوديته، ولذلك اُبتلي بالنفس وشهواتها وأهوائها التي تلازمه حتى الموت، وحتى إن وصل الإنسان إلى أعلى درجات الولاية، فإن الثلاثي (الدنيا والنفس والشيطان) يقف له دائماً بالمرصاد من خلال الحيل والوساوس والخداع، ولذلك كانت العبودية تبدأ بالتخلص من هذه المهلكات، ثم النجاة من مغريات هذا العالم الفاني، والتحلي بالتقوى، والتوجه إلى الحق تعالى في نهاية المطاف

 ولهذا كان من الضروري تزكية النفس وتطهير القلب للتخلص من قابلية المعصية المركوزة في فطرة الإنسان، وزرع بذور التقوى، لذلك فكل إنسان مكلَّف بحسب استعداده وقدرته بمعرفة الحق تعالى، والارتقاء بهذه المعرفة إلى مرحلة العرفان، عبر العمل الصالح، وتسبيح المولى وشكره، وهذا هو معنى «العبودية» باختصار، أما الوصول إلى حقيقة العبودية فمرتبط بتزكية النفس وتطهير القلب، أي بتجاوز عقبة النفس وتحليتها بالأحاسيس الراقية، ولا يمكن نيل شرف درجة «الوصول إلى الله» و«اللقاء مع الله»  إلا على هذه الصورة

 وجوهر القلب هو «موضع نظر الله تعالى» في هذا العالم، أي إن جوهر القلب ينال شرفاً رفيعاً بتجلي نظرات الله تعالى، وكما أنه لا يجلس على عرش القصر إلا السلطان، فلا ينبغي أن يكون في القلب الخاضع لمملكة الجسد غير الله تعالى، ولا بد من تطهير القلب بإزالة الأفكار النفسانية والميول الخبيثة والتعلق بما سوى الله تعالى، وإلا أُغلق الطريق أمام القلب للوصول إلى الألطاف الإلهية، وهذا لا يعني أن القلب لابد أن يخلو عن محبة الآخرين، فحين يستطيع المرء تزكية نفسه وتطهير قلبه ليصير قلبًا سليمًا، فإنه يتحرر من محبة غير الله تعالى، في حين لا يستطيع الآخرون أن يزيلوا تماماً من قلوبهم محبة المال والأولاد وما إلى ذلك مع اختلاف درجات هذه المحبة، فمثل هذه الأنواع من المحبة في الحقيقة مشروعة ما لم تتجاوز حداً معيناً

 ويكفي النظر إلى موقع القلب في الحياة المادية والمعنوية لإدراك أهمية تطهيره، وقد عرض النبي صلى الله عليه وسلم أهمية القلب في حياة الإنسان حين قال

 «ألا وإنَّ في الجسد مضغة: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (البخاري، الإيمان، 39)

 ويذكر مولانا جلال الدين الرومي، قدس الله سرَّه، أنه من العبث السعي لملءِ كيسٍ ما لم يُغلق الثقب في أسفله، وهكذا هي الأعمال، فالجليُّ أنه مع تطهير القلب تصبح هذه الأعمال وسيلة لسعادة المرء، فالأعمال بالنيات، والنية هي إحدى أعمال القلب، ويعد إصلاح النية وإخلاصها شرطاً في هذا السياق

 إلا أن حالة تزكية القلب هذه إنما ينالها المرء على يد أربابها بالتربية القلبية، فغاية أولياء الله تعالى من تربية القلب هي استشعاره بأنه دائماً مع الله أي بلوغ مرتبة (الإحسان)، وبذلك يصبح هذا القلب «قلباً حياً»، ولكي يصل القلب إلى هذا النضج، لابد من تطهيره مما سوى الله تعالى

 وحين يصل القلب إلى هذا الصفاء ويتخلص من أكداره، تتكشف له الحقائق الجليلة والعميقة، وتتجلى عليه الأسماء والأسرار الإلهية، ويعرف المرء الله بقلبه ويرتقي بعلمه إلى حال العرفان

 ولا يمكن النجاة يوم الحساب إلا بالمثول أمام الله تعالى بقلب سليم، مطهَّر من كل الأمراض المعنوية، ومليء بالمحبة الإلهية، وهذا ما ذكره الله تعالى في كتابه حين قال

(يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُون إِلَّا مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيم) (الشعراء، 88-89)

 ومن جانب آخر، يذكر القرآن الكريم أن الذين لا يطهِّرون أنفسهم، وتقسوا قلوبهم لبعدها عن ذكر الله تعالى، فإن مصيرهم الهلاك في نهاية المطاف

 (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُوْرَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس، 7-10)

 (...فَوَيْلٌ لِلقَاسِيةٍ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ الله أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (الزمر، 22)

 ولَكَم هو معبر كلام أبي سعيد الخراز في ضوء هذه الآيات الكريمة

 «الإنسان الكامل هو من طهر الله قلبه وملأه نورًا وعرفانًا»

  التصوف حرب معنوية لا هوادة فيها

 يعود هذا التعريف الى الشيخ جُنيد البغدادي، ويعني به أن المتصوف لا ينفك عن مجاهدة نفسه طوال العمر، والجهاد ضد النفس هو الامتناع عن الرغبات غير المشروعة

 والحروب عادة تبدأ وتنتهي في زمان ومكان محددين، إلا أن مجاهدة النفس تستدعي مجاهدتها طوال العمر دون انقطاع، حيث يقول الله عزَّ وجل في الآية الكريمة

 (وَاعْبُد رَبَّكَ حَتَّى يَأْتيَكَ اليَقِينُ) (الحجر، 99)

 ويأمر الحق تبارك وتعالى عبده أمام غفلة النفس وحيلها باليقظة الدائمة والذكر المستمر، فقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم

(وَاذْكُر رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعَاً وَخِيفَةً وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِن الغَافِلِينَ) (الأعراف، 205)

وقد بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم أن تزكية النفس أصعب من مجاهدة الكفار حين قال لمن معه عقب عودته من غزوة تبوك المعروفة باسم غزوة العسرة: «قدمتم خير مقدم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر». قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: مجاهدة العبد هواه

 ويعطي الباحث المعاصر روجيه غارودي أهمية خاصة لتوازن الجهاد الأصغر والأكبر في الإسلام؛ إذ يقول: «التصوف شكل من أشكال التربية المعنوية الإسلامية، وهو ما يسمى بالجهاد الداخلي؛ أي الوقوف في وجه كل نوع من أنواع الرغبات التي تُبعِد الإنسان عن الغاية من خلقه، وتوقِعه فريسة للنفس، ويُعرف هذا بالجهاد الأكبر في الاصطلاح الإسلامي، أما الجهاد الأصغر فهو الجهاد ضد كل أنواع السلطة والجاه والعلم الخاطئ الذي يبعد المسلمين عن طريق الله تعالى، ويبقي المرء في حالة انسجام واتحاد مع الطريق المؤدي إلى الله تعالى، والاتزان بين هذين النوعين من الجهاد هو الذي يكفل السعادة والسلامة للفرد والمجتمع

  التصوف هو الإخلاص

 التصوف هو الإخلاص لله تعالى، و«الإخلاص» في الاصطلاح الديني هو العمل ابتغاء مرضاة الله وحده دون أن تكون هناك أي غاية سواه، وتطهير القلب من جميع الآمال ما عدا رضا الله تعالى هو فضيلة كبرى أُمر بها المسلمون

 إن كل ما أمر الله عزَّ وجل به العبد لنيل رضاه يمسي عديم النفع لا يجني منه صاحبه سوى التعب والمعاناة، إذا أشرك مع الله تعالى غيره، أو شابه الرياء، وبهذا يظهر أن «الإخلاص» هو أهم الشروط وأساسها لقبول الأعمال أمام الله تعالى

 والإخلاص هو حماية القلب من جميع أنواع الشهوات والأهواء الدنيوية في سبيل الاقتراب من الله تعالى. وبالإخلاص يحظى العبد بأكبر نعمة، ألا وهي رضاه تعالى

 إن ما يريده الله تعالى من عباده هو أن يعملوا بإخلاص سعياً لرضائه تعالى، والآيتان التاليتان توضحان هذا الأمر

 (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ) (الزمر، 2)

 (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ) (الزمر، 11)

 وقد ذكر الله عزَّ وجل الموقف الذي طُرد فيه إبليس من الحضرة الإلهية حين قال

 (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) (الحجر، 39-40)

 فالتصوف هو ربط الأمور كلها بالله تعالى، وتلقي كل شيء منه، والتخلص من الإعجاب بالنفس. وعلى الإنسان مهما كان حاله ومقامه أن يتواضع ويعرف قدره وألا ينسى وجود من هو أعلى مقامًا منه، إذ يقول الله عزَّ وجل -بعد أن انتصر المسلمون في معركة بدر- مخاطباً سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم:

(فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)  (الأنفال، 17)

 لذلك يجب على الإنسان دائماً أن يحس بعجزه وعبوديته، وأن يعلم أن كل أنواع النعمة والنصر والتوفيق إنما هي من ألطاف الله عزَّ وجل، فإن لم يعلم الإنسان ذلك كانت أجور أعماله منقوصة أو صارت هباءاً منثوراً.

 ويروي أبو هريرة رضي الله عنه الحديث الذي يبين عاقبة المرء حين يؤدي أعماله خالية من الإخلاص، ويخالطها الإعجاب بالنفس والهوى، حيث قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ

«إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟

قال: قاتلت فيك حتى استشهدت

قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار؛

ورجل تعلم العلم، وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟

قال: تعلمت العلم، وعلمته وقرأت فيك القرآن

قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار؛

ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟

قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك

قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، ثم ألقي في النار» (مسلم، الإمارة، 152)

 ويقول جلال الدين الرومي مخاطباً ذلك الذى يعبد الله تعالى دون إخلاص

 «أيها الغافل! كم أرجو أن توجه وجهك بإخلاص للحق تعالى حين تنزل ساجداً له، وكم أرجو أن تعرف معنى (سبحان ربي الأعلى)، فالسجدة ليست سجدة البدن فحسب بل هي سجدة القلب أيضاً»

 إن العبادات إذا أقيمت دون إخلاص لابد أن تشوبها الأهواء المبطَّنة والأدران المعنوية، والسر في صفاء العبادات وترقيتها إنما هو الإخلاص، فالعمل دون إخلاص لا يجني منه العبد شيئاً، فمثلاً الصلاة التي هي في المرتبة الثانية بعد الإيمان إن لم يُراعى فيها الإخلاص تعرِّض العبد إلى هذا الوعيد المخيف من الله في الآية الكريمة التالية

(فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ. الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ) (الماعون،  4-6)

 ويقول جنيد البغدادي، قدس الله سرَّه

 «الإخلاص هو تصفية العمل من الكَدرِ الروحي»

 ويقول أحد الأولياء

 «ادعاء الإخلاص نوع خفي من أنواع عدم الإخلاص»، حيث إن أكبر خطر على الإخلاص أن يرى المؤمن نفسه تقياً

 عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن: يا رسول الله أوصني، قال: «أخلص دينك يكفك العمل القليل»

 ويقول في حديث آخر

«إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (مسلم، البر، 34)

  التصوف هو الاستقامة

 التصوف هو أن يحيا المرء باستقامة، والاستقامة هي التمسك بالكتاب والسنة، وفهم الأوامر الإلهية والنبوية فهماً نابعاً من القلب، والحياة بشغف في ظلالها، فالتصوف هو وصول القلب إلى أعلى حالات السعادة بالعيش في روحانيات الكتاب والسنة

يقول الحق تعالى في الآية الكريمة مخاطباً النبي وأمته من بعده

(فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا) (هود، 112)

وكان الدافع إلى «شيبتني هود...»  في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم هو ما ورد في هذا الخطاب الإلهي الذي شرحه المفسرون  على النحو الآتي

 «يا أيها النبي! ليكن سلوكك كما تفرض عليك أخلاق القرآن وأحكامه، وكن مثالاً حياً للاستقامة كي لا يكون موضع للشبهة والتردد في شخصك، واصرف النظر عما يقوله المشركون والمنافقون، وَدَعهم إلى الله. واستقم كما أُمرت في مهماتك العامة والخاصة، ولا تبتعد عن الصراط المستقيم. وثابر على تبليغ ما يوحى إليك وتنفيذِه وتطبيقه مهما كان ثقيلاً، فالله مُعينك

 وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قول الله تعالى (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ)

 «ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع القرآن آيةٌ كانت أشدَّ ولا أشقَّ عليه من هذه الآية»

 وقد كان هذا الخطاب موجهاً مباشرةً إليه صلى الله عليه وسلم، ولم يكن مصدر الشيب في هذه الآية خوفاً على نفسه من التمسك بالاستقامة، فالآية الكريمة

 (يس. وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ. إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (يس، 1-4)